رحلات البطريرك التلمحري نص حققه وعلق حواشيه الكاتب والباحث تيسير خلف وفاز أخيراً بجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي، وهو في الأصل مكتوب باللغة السريانية أعاد تيسير خلف بناءه من جديد.
وينفرد النص الذي تركه البطريرك السرياني ديونيسيوس التلمحري المعاصر لأربعة خلفاء من بني العباس، هم هارون الرشيد، ومحمد الأمين، وعبد الله المأمون، وأبي إسحاق محمد المعتصم، بأنه الشهادة المعاصرة الوحيدة على الكثير من الوقائع والأحداث التاريخية المفصلية، والتي دونت وقائعها في كتب التاريخ العربية نقلاً عن روايات شفهية بعد عقود طويلة.
خمس رحلات
لقد قام البطريرك التلمحري بـ3 رحلات إلى بغداد ورحلتين إلى مصر، دوَّن وقائعها بشكل متفاوت، فبينما أسهب في رحلتيه إلى مصر بذكر أوصاف الأماكن التي زارها، وتحدث عن بعض العادات التي عاينها لدى المصريين، نجده في رحلاته إلى بغداد وبلاد الجزيرة، مشغولاً بالقضايا الرعوية والصراعات المحتدمة في الكنيسة السريانية، ماراً على ذكر الأماكن مرور الكرام.
ومع ذلك نجده قدم رسماً غاية في البراعة والصدق لعدد من الشخصيات المؤثرة في حركة التاريخ، مثل الخليفة المأمون، والخليفة المعتصم، والأمير عبد الله بن طاهر، والقادة العسكريين، أمثال الأفشين حيدر أو خيذر بن كاوس، وعجيف بن عنبسة، وعثمان بن ثمامة العبسي. وأيضاً زودنا بمعلومات نادرة عن بعض الثائرين على الخلافة العباسية أمثال المبرقع الكردي الشهير بالمهدي..
والذي نكتشف للمرة الأولى أنه هو رأس الحركة التي سميت بالخرمية، وبأن بابك الخرمي هو ثالث زعمائها وليس هو مؤسسها كما شاع في الأدبيات العباسية، وتميم أبو حرب الشهير بالمبرقع اليماني، وابن بيهس الدمشقي، ونصر بن شبث العقيلي، وغيرهم ممن رسموا ملامح ما أطلق عليه اسم العصر العباسي الأول، أو العصر الذهبي للخلافة العباسية.
جوانب معتمة
ويضيء هذا الكتاب الكثير من الجوانب المعتمة حول حركات التمرد على الدولة العباسية تلك التي قام بها عرب الشام والكرد والزط في الأهوار والأهم ثورة البياميين الأقباط في مصر.. هذه الثورة التي أصبحت مادة لرواية سلوى بكر البشموري.
ترصد رحلات البطريرك أدق تفاصيل الحياة اليومية والسياسية التي كانت تشغل ذلك الزمن، ويقدم لنا وصفاً للخليفة المأمون والخليفة المعتصم، من خلال حواراته معهما.. كما يقدم إشارة مهمة عن مملكة النوبيين في السودان وعلاقتها ببغداد، وكيف قام أحد ملوك النوبة بزيارة بغداد للقاء الخليفة المعتصم الذي قابله بناءً على توصية البطريرك التلمحري وأكرمه وقدم له الهدايا التي تليق به، وذكر شيئاً عن أحوال تلك المملكة وما كانت تعيشه من مشكلة صراع على الحكم.
ولئن ضمّن البطريرك أخبار رحلاته في تاريخه الذي وضعه في جزأين، متناولاً أخبار الدولتين العربية الإسلامية والبيزنطية، إضافة إلى أخبار الكنيسة، فإن الجزء المتعلق بشهادته الشخصية على أحداث زمنه، امتاز بعدد من المزايا التي جعلته واحداً من أرفع النصوص السريانية وأكثرها صدقاً وحرارة، نظراً لاعتماده لغة وجدانية تعتمد في صياغتها ضمير المتكلم والتجربة الذاتية، وهي الصيغة التي يعتمدها أصحاب كتب الرحلات عادة.
وثيقة تاريخية
رحلات البطريرك وثيقة تاريخية مهمة، كونها تمثل الصوت الآخر، غير الصوت الرسمي الذي دون وقائع تلك المرحلة المفصلية في تاريخ العباسيين، وقد لاحظ المحقق بأن جميع الوقائع المذكورة في متن الرحلات تتوافق زمنياً مع الوقائع المذكورة في كتب الطبري وغيره وإن باقتضاب شديد.
ويبدو التحقيق الممتاز لهذه الرحلات، من خلال الحواشي المميزة التي لم تترك شاردة ولا واردة إلا وعلقت عليها وشرحتها أو صححتها ووضعتها في سياقها الموضوعي.
كما تضمن عدداً من الملاحق التي تكمل موضوع الكتاب ومنها رحلة لراهب أوروبي يدعى برنار الحكيم زار مصر وفلسطين بعد رحلة البطريرك بسنوات عدة. كما نشر المحقق وقائع معركة عمورية كما رواها البطريرك كشاهد عيان وكذلك قصيدة فتح عمورية للشاعر ابي تمام، وكل ذلك لتوضيح الكثير من تلميحات النص.
المؤلف في سطور
تيسير خلف باحث وروائي من سوريا مهتم بأدب الرحلة، له موسوعة رحلات العرب والمسلمين إلى فلسطين في ثمانية مجلدات، وثلاث روايات مطبوعة ومجموعة قصصية وكتب أخرى في النقد السينمائي والتاريخ والآثار.
الكتاب: رحلات البطريرك ديونيسيوس التلمحري
تأليف: تأليف تيسير خلف
الناشر: دار السويدي للنشر والتوزيع في أبوظبي والمؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت
الصفحات: 175 ص
القطع: كبير
