يثير كتاب (العمارة العربيّة بين الاستشراق والعالميّة)، لمؤلفه عفيف البهنسي، جملة جوانب تخصصية تتعلق بشؤون وشجون العمارة العربيّة، ذلك بدءاً من هويتها وفوارقها المعماريّة، وعلاقة شكلها المبتكر بوظيفتها وموقعها في التفكير الهندسي الإنساني، مروراً بجغرافيتها العربيّة وتاريخها وعلاقتها بالتراث، ونظام الفناء الداخلي والطبيعة، وصولاً إلى ما يُعرف اليوم بالعمارة الخضراء.
يبحث الكتاب، بعد دراسته الجوانب تلك، في أواصر العمارة والعمران، لاسيّما القوميّة والدينيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة والبيئيّة والمناخيّة، ويسوق مثالاً على المدن العربيّة العريقة العائدة إلى بداية التاريخ: دمشق وحلب وبغداد والرقة والقاهرة والقيروان والمهديّة ومراكش وفاس، إذ يبين المؤلف أن هذه المدن لا تزال قائمة حتى الآن، طبقاً لروح معمارها القديم نفسه، ثم يبحث في خصائص التصميم المعماري العربي، فيشير إلى هوية العمارة العربيّة من خلال العودة إلى جذورها ومزجها بمعطيات العصر وملامحه، ويسوق أمثلة عليها، بناء البريد في الجزائر، وضريح محمد الخامس في الرباط، والمعهد الإسلامي في باريس، وبناء مصلحة المياه في دمشق، وبناء البلدية في صفاقس.
يتناول البهنسي، في بحث مستقل، مدارات العمارة بعد الحداثة، والعمارة العضويّة المتمثلة في ما عرضه المعماري فرانك لويد رايت في كتابه، الذي يحمل العنوان ذاته، مبيناً أنها عمارة ترفض الذوق الجمالي، أو الذوق السطحي البسيط، الذي يتعارض مع الطبيعة البشريّة، ثم يُشير المؤلف إلى عمارة التفكيك، التي تخصص فيها شارلز جينكز، وهي عمارة التكسير واللاتماثل واللااتساق، والمليئة بالمفاجآت.
وينتقل البهنسي، عقبها، إلى ثقافة العمارة، فيتحدث حول الوعي والنهضة المعماريّة، وعملية تدريس العمارة العربيّة، تاريخاً وتراثاً وجماليةً، والتلقائيّة والمعلم المعمار، والاستشراق المعماري العربي، ويسوق مثالاً على ذلك المبدع المصري المعروف، حسن فتحي، الذي كان يؤمن بالمسؤوليّة الاجتماعيّة للمهندس المعماري، إذ كرس حياته لهذا المفهوم. ويتطرق المؤلف في السياق، أيضاً، إلى مبدعين كثر في الحقل، منهم :
جعفر طوقان، راسم بدران من القدس، صالح لمعي مصطفى، عبد الواحد الوكيل من القاهرة، عبد الرزاق ملص من دمشق، محمد مكيّة من العراق. ويؤكد مؤلف الكتاب، حقيقة تغريب المعمار العربي الإسلامي، وطغيان العمارة الهجينة وتأثيرها في الهُويّة القوميّة، لافتاً إلى أن التأثير ذاك تعمل جوائز دوريّة، عديدة، على التخفيف منه لصالح إبراز معالم العمارة الأصيلة، ومنها: جائزة منظمة الآغا خان للعمارة، جائزة منظمة المدن العربيّة، جائزة اللجنة الدوليّة لحماية التراث الحضاري الإسلامي. ويطالب البهنسي في هذا الفصل، بإقامة مراكز أبحاث لعمارة المستقبل في الوطن العربي.
ويتوقف المؤلف، في الفصل الثاني عشر، عند أساليب العمارة الكلاسيكيّة والتقليديّة. وأيضاً: العمارة الشاميّة في دمشق، اليمنيّة في صنعاء، الأندلسيّة والمغربيّة، ويستعرض الطرز التي اشتغلت عليها دميعها، ثم يصل إلى الحديث عن : عمران المدينة العربيّة في الماضي والحاضر، اختلاف الشروط الاجتماعيّة، هويّة المدينة والتخطيط العمراني.
يستعرض البهنسي، إثر تلك الجوانب التفصيلية، المدينة العربيّة وتاريخ العمران، بدءاً من تكوّن المدينة والمبادئ، التي اعتمدتها العمارة والمدينة العربيّة، ومن ثم تطور عمرانها وخصائص التراث الذي نهضت عليه، إضافة إلى: الوحدة في عمارة المدن، التنوع العمراني. وفي الفصل الأخير من الكتاب، يُثير المؤلف موضوع تنوع الوظائف في عمران المدن..
فيشير إلى الوظيفة المدنيّة والعسكريّة والملكيّة، وتحولات المدن الكبرى في التخطيط العمراني، كما في العمارة العربيّة، التي وصلت إلى نوع من الرخاء اللافت في قرطبة وفاس في عهد المنصور، والقاهرة في العهدين: الفاطمي والمملوكي. أما في بلاد الشام والساحل الفلسطيني..
فحدث تطور سياسي هائل بتأثير الصليبيين، الذين استولوا على مناطق كثيرة، خاصة القدس، حيث شيّدوا الحصون والقلاع الضخمة التي آوتهم، وهو ما حوّل مباني بلاد الشام (سوريّا ولبنان والأردن وفلسطين) إلى طابع عسكري، في عهدهم، وبعد جلائهم.
المؤلف في سطور
الدكتور عفيف البهنسي، باحث سوري متخصص في مجال الفنون الجميلة والآثار، لديه ما يربو على ثمانين كتاباً منشوراً بالعربيّة وبلغات أخرى. شغل منصب المدير العام للآثار والمتاحف، وحاضر في جامعة دمشق بمادة تاريخ الفن والعمارة.
الكتاب: العمارة العربيّة بين الاستشراق والعالميّة
تأليف: الدكتور عفيف البهنسي
الناشر: دار الشروق للطباعة والنشر- دمشق 2013
الصفحات: 232 صفحة
القطع: المتوسط
