يبحث كتاب "مساهمات في التنشئة الاجتماعية"، لمؤلفه، الدكتور زكي حسين جمعة، في طبيعة الدور الذي تقوم به التنشئة الاجتماعية، لتحويل الفرد إلى شخص صاحب إمكانات معرفية ومهارات متنوعة، تساعده على الاستمرار والتقدم. فيسوق عدداً من النظريات المفسِّرة والموضِّحة لعملية التنشئة الاجتماعية، من بينها: نظرية التحليل النفسي (التي تبيِّن عملية نمو شخصية الفرد..

وهي طريقة قائمة على تحليل التداعيات الحرة وتأويل الأحلام والأفكار والأفعال المغلوطة، ولاسيما زلاَّت اللسان)، نظرية التعلُّم (وهي نظرية تتحدَّث عن التعلُّم والاكتساب الذي يبدأ مع الفرد منذ اللحظات الأولى لحياته، والذي يعمل على تحديد وتطوير وتفعيل معظم سلوكه الاجتماعي والفردي)، نظرية الدور الاجتماعي (تركِّز على مكانة الفرد الاجتماعية التي تتناسب مع الدور المفترض القيام به، ووفقاً لهذه النظرية يجري تعلم الدور عن طريق التلقين والترشيد الذي يتلقاه الفرد في مراحل حياته المختلفة، خاصة منها مرحلة الطفولة، النظرية المعرفية الاجتماعية (تهتم في دراسة عمليات الاستدلال العقلي لدى الأطفال في حل المشكلات المنطقية).

وبعد أن يعرض المؤلِّف لهذه النظريات، يدرج نقدا ونقاشا موسعين لها، فيعتبر أنَّ نظرية التحليل النفسي ركَّزت فقط على جانب الدوافع الغريزية في شخصية الفرد، وأغفلت أو رفضت الجوانب الأخرى من الشخصية الإنسانية. كما أن نظرية التعلم حوَّلت علاقات الإنسان وسلوكه إلى آلية، مغفلةً أن لدى الإنسان قدرات تمكِّنه من التفكير والإدراك والتفسير والتصرف وفقاً لذلك.

ويبين جمعة، أيضا، أن نظرية الدور الاجتماعي ركَّزت على الجانب الاجتماعي في عملية التطبيع، وعلى دور الذات في نمو الطفل اجتماعياً. ولكنها أهملت كثيراً الجوانب الأخرى. وكذلك فإن النظرية المعرفية - الإنمائية، أهملت عملية الاستدلال الخلقي في مرحلة المراهقة والرشد. وذلك بينما لم تحدد النظرية الإيثولوجية وظيفة السلوك في المواقف الطبيعية ونموها. ونظرية النفس - الاجتماعية، لم توضِّح دور الالتزام المتبادل بين الفرد ومؤسَّسات البيئة المختصة بالتنشئة الاجتماعية.

وعن الصورة التلفزيونية وخطرها على التنشئة يرى المؤلف، أن التنوع العاصف للصور المعروضة أمام العين والسمع ووابل الأصوات البشرية وغير البشرية الآتية من الأجهزة، حولتها من وهم إلى حقيقة اجتماعية معبِّرة ومُنصت لها. إذ من السهل أن تضلِّل الوسائل الإعلامية الفرد المشاهد أو المستمع عن حقيقة اجتماعية ما أو ثقافية أو سياسية لتدفعه باتجاه آخر، خاصة إذا كان من المدمنين على متابعة تلك الوسائل.

إذ تبث وسائل الإعلام مثيرات شتى يستجيب لها الدماغ، بصرف النظر عن المضمون المعرفي أو الاجتماعي للبرامج المبثوثة.. إنَّه عمل يهدف إلى توجيه مادة حسِّية بطريقة معينة يستلزم تلقيها. وأكثر من يتلقاها الأطفال الذين يقضون وقتاً أكبر أمام شاشات التلفاز. لذا فإنَّ ما ينجم عن ذلك من تأثير مباشر على الأطفال، هو ما يثير القلق، إلى جانب تأثُّر الآباء. إذ يؤدي ذلك إلى تبدل في طرق تربيتهم. ويؤكد المؤلف أنه لم يعد الآباء يتابعون أطفالهم كثيراً في أداء فروضهم المدرسية والمنزلية، وأصبحوا يَكِلُون ذلك إلى المدرسة، ويغضون طرفهم كي لا يشغلهم ذلك عن تلبية رغباتهم.

ويخلص جمعة في نتائج بحث ميداني متخصص، أجراه على عينة من الاطفال، ان هناك حالة في العينة المدروسة، تبين بجلاء، مدى استجابة الطفل للبرامج المتلفزة التي يتابعها. إذ تذكر أمه في المقابلة أنَّ ولدها كان يقضي معظم الوقت أمام شاشة التلفاز يشاهد الرسوم المتحرِّكة وبعض الأفلام العنيفة، خاصةً أفلام الرعب.

 المؤلف في سطور

 الدكتور زكي حسين جمعة، باحث وكاتب لبناني، أستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، من مؤلفاته: بيروت بين الانفتاح والانغلاق 2008.

الكتاب: مساهمات في التنشئة الاجتماعية

تأليف: الدكتور زكي حسين جمعة

الناشر: دار الفارابي - بيروت 2012

الصفحات: 143 صفحة

القطع: المتوسط