يبيّن الدكتور كتاب "الشعر والتصوّف"، لمؤلفه وفيق سليطين، أن الصوفية تلجأ إلى الشعر، وتتوسل به في بناء تجاربها، وفي الإشارة إلى أحوالها ومكابداتها، تسريباً لقدر منها، وتفعيلاً لها بقوة الشعر النوعية، لإعادة شحنتها، وتركيز وقعها، والاحتفاظ بمكان معايشتها. ذلك أنّ الشعر يستجيب لدقائق هذه التجربة ويبوح بشيء من بواطنها، ويشفّ عن خلجاتها، ويضطلع بتشكيل التجربة، فيؤسسها على مفارقاتها وتوتراتها.
يوضح سليطين أن لغة الشعر والتصوّف تعرف بكونها لغة كشف لا لغة وصف، لا تقول الظاهر والواضح والمكرور والمتواضع عليها، بل تذهب إلى الحفر في الطبقات الغائرة التي يجثم على سطحها الوضوح ويواريها. ولهذا كانت تتقدم بطبعها المعتم، وتحتشد بخاصياتها الليلية التي تجانب القرب والوضوح، وتجوزها نحو السرّي والمكنون والمحتجب.
وكما تكتسب اللغة في التجربة الصوفية أبعاداً إشارية ورمزية، يبين المؤلف، أنه يختزن الشعر في لغته، طاقة من العمق والكثافة، ذلك أنه لا يخبر ويقرّر، بل يشف ويوحي، ويخلق الإحساس بالأشياء من دون أن يقولها وينتهي منها. ويلاحظ أن علاقته بها، علاقة نموّ وتعدد، تضعها في أفق الاكتشاف، وتصونها من النقاد. ومن هنا، كان التركيز على الإشارة والرمز واعتماد لغة الشطح التي تنفذ إلى أغوار الوجدان..
وتستجيب إلى أدق خلجاته. ويبين سليطين هنا، أن ما ينال اللغة، من قوّة انفجار الصمت فيها، لتوليد الكلام الصوفي، قريب من ما يحدثه الشعر فيها، فالشعر، هو جنون اللغة، أو لغة الجنون الإبداعي، وهو تحويل نوعي للمادّة المعطاة، أي المادّة اللغوية، يحملها على الدخول في سياقات صعبة، بالغة التوتر، ليتيح لصمت الإبداع المتحفز في العمق أن ينبثق الآن. هذا الجنون هو موت اللغة في الموضوع، وهو أيضاً، موت الصوفي عن "الأنا" والصورة، الذي هو، وموته هو انبثاق مؤقت داخل الحياة، لحظة غياب وحضور معاً، تؤمن ضرباً من الانفتاح على المطلق.
إذا كان خيال العارف الصوفي هو القادر على النفاد إلى عمق الصوّر، فإن ذلك ما يوجب توازيه مع خيال الشاعر، من حيث قدرته على اختراقها والتحول بها في أفق الإبداع الذي لا يَعِدُ بنهاية ولا يثبت على حال، ومن هنا تتأتى مفارقة الصورة وتوترها بين التناهي والإطلاق، وبين الذاتية والمغايرة في نشاط الشعر والتصوّف. فيكون توجهها نحو ما لا ينتهي قرين اقتناعها عن الامتلاك، وذلك ما يغذي حركة الكشف، ويحفزها، ويطبع بها التجربتين معاً.
يشير سليطين إلى أن خاصية الرؤيا الصوفية، تكمن في معنى التجاوز وتخطي أطر الألفة والامتلاك، وهذا ما يعزّز اندفاعها نحو الاختراق المستمر، وهذه الخاصية هي ما يميّز الرؤيا الشعرية، على حد تعبير أدونيس، من حيث هي قفزة خارج المفهومات السائدة. إنها اختراق لما تحجبه العادة، وانتماء إلى المجهول يجعل الشاعر مشدوداً إلى المستقبل، ومنجذباً نحو ما لم يتحقق. وكما تقترن الرؤيا عند ابن عربي بتصور للخيال، كذلك نجد أنها تقترن بالحلم، وتتحد به وظيفياً.
يلفت مؤلف الكتاب، إلى أن هاجس العمق، يوحّد بين الشعر والتصوّف، على أساس الغوص على جوهر يظلّ بمنأى عن الامتلاك، وعلى أساس الطموح المتجدّد نحو الشائع والمبذول، ليغدو إنسان الرغبة والحلم والحريّة.
إن الفنان "الشاعر" كالمتصوّف تتكشف تجربته عن لحظة امتلاء تتجاوز نسبيته، وتحقّّق على نحو خاص، بحيث يغدو فيها، هو نفسه، لحظة من لجّة هذا التيار الباطن، أو بارقاً من إشعاعه الكلي المطلق.
المؤلف في سطور
الدكتور وفيق سليطين. كاتب وباحث سوري. لديه مجموعة مؤلفات، منها: رمزية الناي في الشعر الصوّفي، الشعر الصوّفي بين الانفصال والتوحد.
الكتاب: الشعر والتصوّف
تأليف: الدكتور وفيق سليطين
الناشر: الهيئة العامة للكتاب ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 2011
الصفحات: 96 صفحة
القطع: الصغير
