يتناول كتاب "أشعار الشحاذين في العصر العباسي"، لمؤلفه أحمد الحسين، ظاهرة اجتماعية هي الشحاذة أو الكدية، التي نمت جذورها في أحشاء المجتمعات البشرية، ورافقت تطورها على مرّ العصور. إذ شهدت مجتمعات العصور الوسطى تدفق موجات الشحاذين في بلدان آسيا وأصقاع أوروبا، مشكلين جماعة تنتقل من مكان إلى آخر. ويلاحظ من يتأمل تاريخ الدولة العباسية أن مسلسلات التمرد وحالات الشغب، ودوامات الصراع، لم تنقطع في هذا العصر.
يوضح المؤلف أن حالة التردي الاقتصادي أثرت بشكل مباشر في حياة الفئات البائسة التي عانت من ويلات الجوع وفقدان المواد واحتكار الأسعار، وهذا ما جعل أسواق بغداد تشهد ارتفاعاً في أسعار السلع، ما أدى إلى وقوع أعمال السلب والنهب، فتعطلت الأسواق وازدادت أحوال العامة سوءاً حتى وصلت إلى المجاعة وأكل لحوم الحيوانات المحرمة والجيف.
ويشير الحسين إلى أنه في القرن الرابع الهجري وما تلاه، صارت أصناف المكدين لا تحصى، فهناك من يشحذ بالتنجيم وأعمال السحر والخفة، وآخرون يكدون مستغلين النوازع المذهبية والدينية، وفريق آخر يستعين بالطب والمعالجة والمداواة، إلى جانب من يتسوّل من جهة هراش الحيوانات وأعمال السيرك، فالمكي مثلاً: يدّعي أنه تاجر ثري، قطع عليه الطريق وسلب اللصوص ثروته، والميسراني يكدّي بأنه من أهل الثغور، ومثله المصطباني الذي يشحذ بحجة أنّه ترك أهله رهائن عند الروم، والمحظراني: يأتي في زي ناسك موهماً الناس أنّ "بابك " قوّر لسانه من أصله لأنه كان مؤذناً هناك.
أمّا القنّاء فهو يدعي أنه كان نصرانياً أو يهودياً، ولكنه رأى النبي في المنام فأسلم.
وترجع أهمية المجموعة الشعرية، موضوعة الكتاب، إلى قيمتها الاجتماعية، وتتكوّن من قصائد وأبيات متفرقة ومقطعات لشعراء عاشوا ما بين القرن الثالث الهجري والقرن السابع، جمعتهم أرض متقاربة، ووحّدت بينهم ظروف متشابهة، وحرفة واحدة، ومن هؤلاء الشعراء: أبو فرعون الساسي، الذي كان يلقب بسلمان البصرة، وينسب إلى شاس، وهي قرية قريبة من واسط، قال معرفاً بنفسه:
أنا أبو فرعون، فاعرف كنيتي
حلّ أبو عمرَةَ وسط حجرتــي
وحلّ نسيجُ العنكبوت برمتــي
أعشب تنوّري، وقلَّت حنطتي
"أبو عمرة: كنية الجوع".
وقال في وصف عائلته:
إليك أشكو صبيةً، وأمّهـم
لا يشبعون، وأبوهم مثلهــم
قد أكلوا اللحم، ولم يشبعهُمُ
وشربوا الماء، طال شربهم
لا يعرفون الخبز إلا باسمـه
والتمر هيهات ، فليس عندهـم
وما رأوا فاكهة في سوقها
وما رأوها، وهي تنحو نحوهم
ويحكي الحسين عن شاعر آخر: أبو المخلف، واسمه عاذر بن شاكر، عاش أيام المأمون، وسكن ببغداد، كان أبو المخلف ظريفاً طيباً، وكان يركب حماراً، وتركب جارية له حماراً آخر، وتحتها خرج، ويدور في بغداد، ولا يمرّ بذي سلطان ولا تاجر ولا صانع إلا أخذ منه شيئاً، وقال في مدح الرغيف:
فدع الطلول لجاهل
يبكي الديار الخاليــات
وامدح رغيفاً زانهُ
حُرْفٌ يحلُّ عن الصفات
وأما أبو الحسن عقيل بن عبدالواحد، فكان شحاذاً أو منجماً، عاش متنقلاً في مدن الشرق، وتردّد على بلاط الصاحب بن عباد، وتوفي سنة 385 هـ . وقال يصف حالته:
العنكبوت بنت بيتاً على وَهــَن
تأوي إليه أو مالي مثلُه وَطـــَنُ
والخنفساء لها من جنسها سكنٌ
وليس لي مثلها إلَفٌ ولا سكنُ
تلك خيوط مبعثرة نستدل بها على حياة الشحاذين في المجتمع العباسي، هؤلاء الأفراد الذين كانوا ضحية علاقات لا ترحم. إذ صوروا الحياة الاجتماعية لفئاتهم المسحوقة وعبّروا عن نوازع الرفض والتشرد والبؤس.
المؤلف في سطور
أحمد الحسين ولد في الحسكة عام 1956، يحمل شهادة الماجستير من جامعة حلب قسم الدراسات الأدبية، وشهادة دكتوراه من جامعة دمشق. عضو جمعية البحوث والدراسات. له من الكتب: أدب الكدية في العصر العباسي، دار الحوار، اللاذقية، سوريا 1986 مقالات في أدب الحمقى والمتحامقين، دار الحصاد، دمشق 1999 .
الكتاب: أشعار الشحاذين في العصر العباسي
تأليف: أحمد الحسين
الناشر: دار الجليل دمشق 2013
الصفحات: 126 صفحة
القطع: 16 12 سم
