تنبع أهمية كتاب "الكاتب والسلطان .. من الفقيه إلى المثقف"، لمؤلفه الدكتور خالد زيادة، من كونه يرصد ويحلل تاريخ ودور المثقف في علاقته بالسلطة، في مصر وبلاد الشام، منذ كان الفقيه مثقف السلطان الذي يصدر له الفتاوى التي تناسبه وتتوافق مع رأيه.
ويبين زيادة كيف تطورت هذه العلاقة وصولاً إلى المثقف في العصر الحديث الذي حل محل الفقيه المسوغ للسلطة قمعها. إذ يكتب لها الرأي الذي يتوافق مع هواها. ويؤكد المؤلف أن علاقة أجهزة الفقهاء وكتاب الديوان بالسلطة، ترتكز إلى أسس راسخة في التاريخ، إلا أنها تتفاوت بتبدل الظروف السياسية وتغير الدول في تاريخنا المعاصر الذي شهد انعطافات حاسمة.
ينطلق الكتاب من سؤالين: يتعلق الأول بالموقع الذي كانت تشغله الأجهزة الفقهية في الدولة، أما الثاني فيأتي من فضاء مختلف، ويتعلق ببروز شخصية اجتماعية جديدة متمثلة بالمثقف، فمن المعروف أن الأجهزة الفقهية كان منوطاً بها القيام بأعباء الوظائف الدينية، من إمامة وخطابة وتدريس، وصولاً إلى تولي القضاء.. إلا أن هذه العلاقة كانت عرضة للتبدل مع الانعطافات والانقلابات وتغير الدول.
يشرح زيادة أن السؤال المتعلق ببروز المثقف، يبدو أكثر تعقيداً، إذ درجت الدراسات التي تناولت الموضوع على استعادة التجربة الفرنسية، من إميل زولا إلى جان بول سارتر، أو بالعودة إلى الأدبيات الماركسية، خصوصاً لدى الإيطالي أنطونيو غرامشي، وكان لهذه الدراسات أن توضح لنا مسار المثقف اللاتيني أكثر من التعرف إلى شخصية المثقف العربي.
ويؤكد المؤلف أن ولادة المثقف في البيئة العربية ترتبط بتجربة التحديث في عصر النهضة والتنظيمات، وأن وظيفته لا يمكن فهمها إلا في ضوء الوظائف التي شغلها من قبل الفقهاء وكتاب الدواوين.
يوضح زيادة أن المرحلة التي بدأت مع مطلع القرن التاسع عشر والتي شهدت محاولات التحديث وفق النمط الأوروبي، مع ما رافق ذلك من تراجع دور المؤسسات الدينية وتفكك وظيفة كاتب الديوان، شهدت بروز شخصية المتنور النهضوي الذي ورث مهنة الكاتب وانتزع أجزاءً من وظيفة الفقيه "التعليم والقضاء" في الوقت نفسه، الذي أراد فيه أن يكون رائداً في بلورة مفهوم الدولة والوطن.
ويضيف خالد المؤلف: "ندخل اليوم في العالم العربي مرحلة جديدة من التحولات التي ستستغرق سنوات عديدة، نشهد فيها مجابهة بين المثقف الذي يحمل أفكار التحديث ويدافع عن الدولة، وبين من يعتبر أنه يملك الفهم الصحيح لتعاليم الدين، مجابهة لم نشهدها على هذا النحو الصريح من قبل، ومع ذلك فإن قراءة التجربة التاريخية تتيح لنا أن نفهم على نحو أفضل، الجذور التاريخية، لما نشهده راهناً، وما سنشهده في المستقبل القريب".
يشدد زيادة على اصطناع الثنائيات كضرورة منهجية، إلا أن هذا لا ينفي واقعيتها، ومن هنا، وبشكل خاص، المقابلة بين مصر من جهة، وبلاد الشام من جهة ثانية، إذ حكمت هذه المقابلة كل مراحل العمل، كما يؤكد على ثنائيات: الفقيه ـ المحدث، المحدث ـ المتصوف، الفقيه ـ المتصوف. إلا أن الثنائية التي طبعت الدراسة وشطرتها إلى قسمين هي ثنائية الفقيه ـ الكاتب.
ويلفت زيادة إلى أن الوظيفة التي يقوم بها المثقف، حالياً، تثير بأدائها التباسات، فإذا ظهر في بدايته خادماً للدولة فإن الدولة التي تستعين بخبراته لا تعترف بهوية تخصه، وحين تبعده فإنها تكف عن الاعتراف بأي استقلالية له، ومن جهته، يعجز عن إنشاء أجهزته، بالمقارنة مع العلماء أو الكتاب..
وبالمقارنة مع طائفة الكتاب الذين أقاموا تنظيمهم الخاص بهم في داخل أجهزة الدولة أو خارجها، لهذا كان يبحث عن التجمعات البديلة من الجمعية إلى الحزب إلى التماهي في مبدأ الدولة نفسه.. إن الإشكالية الفريدة التي يتمتع بها المثقف على نحو مطلق إذا ما نظرنا إلى المسألة من جهة ثانية.
المؤلف في سطور
الدكتور خالد زيادة. أستاذ جامعي وسفير لبنان ومندوبها الدائم في جامعة الدول العربية منذ 2007. ولد في طرابلس- لبنان 1952، حصل على إجازة بالفلسفة من الجامعة اللبنانية سنة 1977، نال شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون الثالثة- باريس عام 1980.
الكتاب: الكتاب: الكاتب والسلطان .. من الفقيه إلى المثقف
تأليف: تأليف : الدكتور خالد زيادة
الناشر: الناشر: الدار المصرية اللبنانية- القاهرة 2013
الصفحات: عدد الصفحات 310 صفحات
القطع: القطع : المتوسط
