يشخِّص كتاب" القوميون الاشتراكيون.. المأزق والحل"، لمؤلفه رياض اخضير، الكثير من المسائل والقضايا التي هي بمثابة أمراض سياسية وثقافية تعاني منها الأنظمة العربية، ولكن بعد أن يمهِّد للموضوع، باحثاً عن دور علاقات الإنتاج الرأسمالية التي يعتبرها الأساس الاقتصادي لنشوء الفكر القومي تاريخياً، ولنشوء الدولة القومية..
ولذا فإنَّ تشكُّل القوميات صار أمراً محتَّماً، كما يقول المؤلف، والاعتراف بالحركات القومية هو اعتراف بالضرورة التاريخية في الدور التقدمي للبورجوازية. لكن كي لا يتحوَّل هذا الاعتراف بالحركات القومية إلى تمجيد للتعصب القومي، وهو ميل حتمي للبورجوازية، يجب دعم ما هو تقدمي لهذه الحركات، وما هو تحرري وديمقراطي.. ونبذ كل تعصب قومي.
فالتعصب القومي في أوروبا مثلاً تمخَّض عن رفع شعار "الثقافة القومية" لتمييع الصراع الطبقي. إذ انطلق مروِجو هذا الشعار من فكرة مجرَّدة صحيحة مفادها، أنَّه لا توجد ثقافة مجرَّدة. فأي ثقافة لها جذور قومية: فرنسية، عربية...إلخ. وتحت راية هذا الشعار حاولت الامبريالية، طبقا لما يبينه اخضير، طمس القضية الطبقية في أي ثقافة، لأنَّ الثقافة حاضنة الأفكار العامة والعادات والتقاليد المشتركة.
وهنا علينا، حسب المؤلف، أن لا ننسى أن أحد مظاهر"الثقافة القومية" يتجلى في تمجيد اللغة إلى درجة التقديس، ففرض لغة الأكثرية بالقوَّة لدراستها في المدارس، أحد مظاهر التعصب القومي البورجوازي الذي ليس له ما يبرره، لأنَّ العلاقات الاقتصادية والسوق الرأسمالية ترغمان جميع الأقليات على تعلم لغة الأكثرية من أجل مصالحها الاقتصادية.
فالرأسمالية تتطلَّب ضرورة وجود أكبر انسجام في تركيب السكان القومي وخاصة اللغة، لأنَّ وحدة اللغة عامل مهم للتفاهم في المبادلات الاقتصادية، عليه فإنَّ فرض لغة ما على المجتمع متعدِّد القوميات ليس له ما يبرِّره، لا بل على العكس سيؤدي إلى تأزيم الوضع وفقدان الثقة بين مختلف القوميات.
ويستعرض المؤلف جملة من المسائل والقضايا التي تخص الأقليات القومية، مبينا أنه يجب النظر بها، على رأسها المسألة الكردية، التي يصعب حلُّها، برايه، لكثرة تعقيداتها، إذ تعود إلى أنَّ الشعب الكردي مقَّسم بين ثلاث دول لثلاث قوميات ذات حضارات عريقة قديمة: عربية وفارسية وتركية. ويرى المؤلف أنَّ حلَّ قضية الشعب الكردي لن تنجز جذرياً إلا عندما تنتصر الاشتراكية في هذه البلدان.
ويلفت اخضير إلى أن المتتبع لأحداث المنطقة سيلاحظ أنَّ الأقليات القومية والطائفية (المضطهَدة) في بلاد الشام، شاركت بفعالية في الثورات الشعبية التي اندلعت في الستينيات من القرن ال20، وشكَّلت قاعدة اجتماعية عريضة للأحزاب التقدمية. فالأكراد انضمُّوا الى الأحزاب الشيوعية. أما الأقليات الأخرى فانضمَّت إلى الحركات القومية والأحزاب الشيوعية وشكَّلت قاعدة اجتماعية واسعة لهذه الأحزاب .
ويشير المؤلف إلى الأنظمة الديكتاتورية، شارحا أنَّها تقضي على الديمقراطية، وهذا أمر بدهي ويدل على عدم فهم دور الدولة تاريخياً. إذ تجمِّل هذه الأنظمة الديمقراطية بعيون الكادحين. ويقابل ذلك أنها تلغي جميع وظائفها الاجتماعية والرعائية، عبر تضخيم أجهزتها القمعية والبيروقراطية..
وحصر دورها كجهاز للقمع فقط، ذلك حتى إن نهج الاشتراكية الديمقراطية يتعرَّض للهجوم السافر. فالجرائم التي ترتكبها الدول الديمقراطية بحق الشعب الفلسطيني والأفغاني والعراقي تدحض هذه الاستنتاجات، وهي، طبقا لاخضير، دليل قاطع على رجعية قوى العولمة (الديمقراطية) ووحشيته
ا. وهكذا فإنَّ الديكتاتورية لا تعني نفي الديمقراطية داخل الطبقة الحاكمة، بل تعني نفي الديمقراطية بالنسبة للطبقات المحكومة، كما انَّ الدولة البرلمانية الحالية هي إحدى هذه الأشكال الأكثر تفنناً وخداعاً.
ويتساءل المؤلِّف، عندما يتحدث عن الديمقراطيين الثوريين: هل يستطيع أن يحلوا النزاعات الإقليمية التي تورَّطوا بها عن الحلول الوسط؟
ويفرد الكاتب لظاهرة الفساد المستشرية في أروقة الأنظمة العربية، مساحة مهمة. فيرى أنَّها غير مرتبطة بسوء الأخلاق والتربية فقط، بل يكمن جذرها الاقتصادي في الأنظمة والقوانين التي سُنَّت لإدارة اقتصاد المجتمع الاشتراكي، وخاصة في التعيين المراتبي، وفي اختيار إدارات القطاع العام. فالفاسد سيعيِّن فاسداً والمتسلط سيعيِّن متسلطاً. وبعد عدة عقود، سيسود التسلط والفساد والبيروقراطية في أجهزة الدولة، واللامبالاة السياسية في صفوف الجماهير.
المؤلف في سطور
رياض اخضير. كاتب وباحث سوري. حاصل على إجازة في الهندسة. صدر له: الدولة الاشتراكية والفساد البيروقراطي.
الكتاب: القوميون الاشتراكيون.. المأزق والحل
تأليف: رياض اخضير
الناشر: نون 4 - حلب 2013
الصفحات: 199 صفحة
القطع: المتوسط
