النشأة والماهية والوظائف الاجتماعية

فن الألغاز عند العرب.. معان وعبر

صورة

يمثل كتاب (فن الألغاز عند العرب)، لمؤلفه الدكتور محمد سالمان، جهدا بحثيا معمقا، يحاول أن يظهر هذا الفن الذي اندثر منذ سنين مضت، ولم يبق منه إلا صفحات مجهولة تحتفظ بها أرفف المكتبات العامة والخاصة.

يقسّم المؤلف دراسته الى أقسام أربعة، يتناول في الأول موضوعة حول ماهية فن الألغاز لدى العرب، والأسباب التي دفعت إلى ظهوره بصورة مباشرة. ويحدد سالمان بدايات نشأة ذلك الفن، بما يُروى عن هند بنت الخُسُّ الإيادية (فصيحة جاهلية، كانت ترد سوق عكاظ).

أما القسم الثاني من الدراسة، فيتخصص في مناقشة تحقيق شارح لمنظومة لغوية في الألغاز: (اللفظ اللائق والمعنى الرائق" لأبي بكر شهاب الدين أحمد بن هارون).. وتقع في 93 بيتا، يمثل كل منها لغزا لغويا فكت مغاليقه عن طريق المعاني اللغوية، ومن أبيات أو ألغاز تلك القصيدة قوله:

في فخذ سلمى رأيت القوم قد جلسوا

في حيها حية في ظهرها بقر

وتفسير ذلك اللُغز، أن كلمة (فخذ) هي القبيلة. أما الحيّة فهي (واحدة الحيات) وأصلها حيوة، فأدغمت الواو في الياء بعد القلب، والظهر: وهو ما ارتفع من الأرض، وجمعه ظهران، وهي المراعي أيضا.

ويؤكد الكاتب على أن شرح تلك الألغاز نُشر في القاهرة، منذ أكثر من مائة عام، وبالتحديد في عام 1900م، وأصبح الآن كبيضة الديك يصعب الوصول إليه!

أما القسم الثالث فيشمل تحقيقا لرسالة في الألغاز النحوية للشيخ خالد الأزهري، وهي اختصار لكتاب يُعد الإمام في هذا الفن: "الإفصاح" للفارقي.

أما القسم الرابع والأخير، فهو تحقيق لغز ورد في كتاب (الكنز المدفون والفلك المشحون)، المنسوب إلى الإمام السيوطي. وأفرد له جمال الدين القاسمي الدمشقي، كتابا مستقلا: (الطائر الميمون في حل لغز الكنز المدفون).

ويعزو سالمان ظهور الألغاز، إلى أربعة طبائع، أولها طبيعة التعبير، طبيعة اللغة ذاته، طبيعة الابتكار والإبداع، طبيعة العصور. ويشدد المؤلف على أن الألغاز لم تكن لدى العرب، غرضا أو هدفا من أغراض الشعر المعروفة، على الأقل في ما نقل إلينا من قبل الرواة والمدونات الكبرى للشعر، موضحا أهمية هذا العلم عند العرب وموضعه منهم. ولا يستبعد كونه مثّل غرضا قديما من أغراض الشعر إبان الجاهلية..

ومن ثم جاءت العصور المتتالية فظهر التدوين، ثم برز الخوف على قواعد النحو من البلبلة، وعلى مواضع الصرف من الفوضى وعلى الكلمة العربية من النحت المستكره.. فجنح العرب إلى إبعاد آثاره وتناسي دروسه، اللهم إلا في المجالس والمناظرات.

وفي العموم، نتبين أنه يناقش الكتاب، فكرة فن الألغاز الرياضة والعقلية، العبرة عند عقل العربي الخلاق والقادر على السباحة في عويص المعاني وغوامض الأفكار . كما انه يجسد، كدراسة متخصصة، محاولة منهجية علمية تعنى في إظهار هذا الفن الذي اندثر أو يكاد، منذ سنين مضت، ولم يبق منه إلا صفحات مجهولة تحتفظ بها أرفف المكتبات العامة والخاصة .

 ويبدو لافتا، أنه تفرعت أوجه البحث في الموضوع المطروق، إلى أبعاد ونقاط متباينة تكسب نهج الدراسة، غنى إضافيا. إذ نجد سالمان يركز على تناول: نشأة هذا الفن، ماهيته، أسباب ظهوره.

ويكلل تلك النقاط بتقديم قراءة متأنية لمصادر اللغز، المطبوع والمخطوط. ونتبين في هذا الصدد، أن الكتاب يضم ثلاث رسائل مهمة في حقل اللغز العربي، يذكرنا المؤلف بها، ويبادر إلى تشريحها وتبيان جماليات مكنونها، معرفا بابعادها التاريخية، وغناها بالدلالات الشعبية والتراثية والثقافية العامة. وبهذا فإنه لا يدرجها لغرض الاستشهاد بها او العرض فقط. وإنما غاية البحث في نموذج مهم، ذلك التزاما منه بالنهج العلمي الدقيق.

 

المؤلف في سطور

 

الدكتور محمد علوان سالمان. اديب وباحث مصري. حاصل على الدكتوراه في الأدب العربي الحديث. وهو عضو اتحاد الكُتّاب العرب. وعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية. نال درع التفوق العلمي من أكاديمية الدراسات العليا في طرابلس الغرب. كما فاز بالميدالية التذكارية من المركز الثقافي المصري بطرابلس. صدر له العديد من الأعمال، منها في الشعر : من وحي عينيك، عندما يبكي الربيع.

 

 

 

الكتاب: فن الألغاز عند العرب

تأليف: الدكتور محمد سالمان

الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة 2013

الصفحات: 360 صفحة

القطع: المتوسط

طباعة Email
تعليقات

تعليقات