آراء في الحكم والتربية والقانون والفكر والمجتمع

الكتابات السياسية للإمام محمد عبده

صورة

يوثِّق كتاب «الكتابات السياسية، المقالات السياسية للإمام محمد عبده»، (1848-1905)، التي كان نشر غالبيتها في «الوقائع المصرية». ويصف د. محمد عمارة، الإمام في تقديمه للكتاب: «ظلَّ في مزاجه وتكوينه مع تقديم سياسة الأمة، أي تربيتها - بإصلاح مناهج الفكر فيها. وتجديد مؤسساتها التي تصنع عقل النخبة والصفوة القائدة لها.

 وهو رجل فذٌّ من الأفذاذ الذين لا تكوِّنهم الدراسات وإن دقَّت، ولا تخرجهم المدارس وإن ترقَّت. وهو الإمام الذي يعتبر أنَّ سعادة البلاد واستقامة حالها لا تتم إلا إذا ارتفع فيها شأن القانون، وعلا قدره، واحترمه الحاكمون قبل المحكومين. واستعملوا غاية الدقة في فهم فصوله وحدوده. والوقوف على حقائق مغزاه، وسهروا لتطبيق أعمالهم جزئية وكلية على منطوقه الحقيقي ومفهومه.

يقول الإمام في إحدى كتاباته: «تحيا البلاد حياة حقيقية، وتسري فيها روح السعادة، وتهطل سحائب الرحمة، وأصحاب الحظ الوافر من السعادة هم العمال والمأمورون وأركان الدولة، لأنَّهم مصدر الأعمال الكلية التي عليها يدور نظام البلاد».

ولكن ماذا نفعل بالقانون إذا كانت بلادنا، كما يرى الإمام محمد عبده، تحت تصرف أقوام خشنين.. فأرغموا أنف الطبيعة، ومحوا أنوار الإلهام الفطري الذي وضعه الله في نفوس عباده لفهم منافعهم ومضارهم، حيث وقفوا سداً حصيناً بين كل شخص ومنافعه، فاستأثروا بجميع ثمرات الأعمال». ويتابع: «فلا يعمل العامل وله أمل بأن يجني ثمرة عمله. فإنَّه عندما تبدو الثمرة يسرع حاكمه إلى قطفها..

وكانت حياته معقودة بغضب ذاك الحاكم ورضاه، فإن رضي عنه فهو آمن عليها، وإن غضب عليه فهو - إن عاش - كمريض بلغ المرض غايته، ينتـــظر الموت في كل لحظة، فيكون في حالة تسليم مطلق، خائفاً على حياته مستسلماً لقضاء حاكمه، وبالجملة لم يكن لأحد من الأهالي حركة اختيارية، ناشئة عن فكره الخاص به في تحصيل منفعة أو درء مضرة، بل كانت أعــماله تابعة لإرادة سيده الحاكم...».

وفي لقاء للإمام محمد عبده مع مجموعة من قادة الثورة العُرابية، إبان أحداثها الأولى يقول لهم في حواره: «إنَّ الأمة لو كانت مستعدة لمشاركة الحكومة في إدارة شؤونها لما كان لطلب ذلك بالقوة العسكرية معنى.. ويخشى أن يجر هذا الشغب على البلاد احتلالاً أجنبياً يسجل على مسببه اللعنة إلى يوم القيامة...».

وفي التربية، يطلب محمد عبده ألا يتوهمنَّ محب الحرية أنَّ الحاجة على المربي منافية لما تقتضيه حريته، أو مشعرة ببقاء الاستبداد.. ولكن يُشترط في المربي والدليل أن يكون ممَّن اجتمعت الكلمة عليهم وحصلت الثقة بهم، وإلا فهو من ذوي السلطة الناشئة عن القوة في جانبه والخوف أو الوهم في جانب الرعية ليس إلا.

وعن الشورى، يقول محمد عبده، إنَّ بعض الجرائد تكلمت عنها وأشربت بعض جملها عبارات في الاستبداد، أوهم ظاهرها وعمومها بعض الناس أنَّ القصد منها مدح الاستبداد الذي عرفوا من آثاره ما يكرهون. ولقوا من جرائه ما لا يودون. فشددوا على محررها نكيراً. وولوا عنه نفوراً. وقالوا: مدحه ظلماً وزوراً، وكان في ذلك من المخطئين. وهذا ما جعلنا، كما يقول الإمام محمد عبده، في ريب من أن يكون الاستبداد ممدوحاً له، ومقصوداً بالثناء عليه. ولذا توضيحاً يقول محمد عبده:

«إنَّ الاستبداد يُقال على معنيين: أحدهما: تصرف الواحد في الكل، على وجه الإطلاق في الإرادة، إن شاء وافق الشرع والقانون وإن شاء خالفهما. فيكون اتباع النظام مفوضاً إليه وحده، إن أراد قام به وإن لم يرد لا يؤخذ عليه. وهو الاستبداد المطلق.

وثانيهما: استقلال الحاكم في تنفيذ المرسوم والشرع المسنون، بعد التحقق من موافقتهما على قدر الإمكان، وهذا بالحقيقة لا يسمى استبداداً إلا على ضرب من التساهل، وإنما يسمى في عرف السياسيين توحيد السلطة المنفذة».

 المؤلف في سطور

الإمام محمد عبده (1848- 1905). عالم دين وفقيه مصري، يعد أحد رموز التجديد في الفقه الإسلامي. ومن دعاة النهضة والإصلاح في العالم العربي والإسلامي. من مؤلفاته: رسالة التوحيد، العروة الوثقى - بالاشتراك مع معلمه جمال الدين الأفغاني.

 الكتاب: الكتابات السياسية

تأليف: محمد عبده

الناشر: وزارة الثقافة والفنون والتراث قطر 2013

الصفحات: 223 صفحة

القطع: المتوسط

طباعة Email
تعليقات

تعليقات