يقف كتاب "الوحدة تدلل ضحاياها"، لمؤلفه دارا عبدالله، على مسافة واحدة من الشعر والنثر، إذ إن "كلمة واحدة او جملة أخيرة تقرر مصير النص/ المقطع"، وهنا لابد للقارئ أن يكون حياديا تماما، مثل الكاتب. ذلك بمعنى ان ينتظر قليلا حتى ينتهي من قراءة المقطع ومن ثم يصدر حكمه:
(الحروب هي احتكاك ميكانيكي بين جموع المتحاربين لترجمة رغبة المجموع في أن يصبح مفرداًًَ). ويضيف:
(المئات في المجازر الجماعية تضمحل أسماؤهم، في حين أن قتيلا واحدا يصبح نجما، الوحدة تدلل ضحاياها).
العناوين لا ترشد القارئ أبدا، فقط تغويه لمتابعة القراءة هناك مقاطع من جمل قليلة. وهناك مقاطع أطول: صفحة أو أكثر. والملفت هنا أن دارا عبدالله، يركز على الفكرة، هذه الفكرة التي يريد ان يقولها (رمزا) أو (تلميحا) أو بوضوح، عبر صورة مدهشة: (على حاجز عسكري في ريف دمشق، شاب عشريني نحيل منهمك بتنظيف بارودة الكلاشينكوف، يهتم بنظافة سلاحه ولا يهتم بنظافة نفسه، وجهه ترابي متعب وسلاحه يلمع، البشر منهكون والأسلحة مشرقة، لماذا يتوجب على أداة القتل أن تكون جميلة؟).
يعترف عبدالله ان ما يكتبه ليس شعرا صافيا، وليس نثرا واضحا بل شعر ونثر: (يلومني الأصدقاء على الفائض الشعري في الموقف السياسي، حتى النص الفكري يجب أن يكون مليئا بالرحمة، لقتل كل الاحتمالات التي يمكن ان تجعل النص سندا ثقافيا للديكتاتور لاحقاً.
الاتكاء على الصرامة .. في النظريات الايديولوجية ينتج نصا ينضح بالدم، يقضي على بذور التعاطف الانساني!
نحن بحاجة إلى قليل من الشفقة).
ونجد أحيانا، أن المؤلف يترك العنان للحكاية ان تركض الى حيث تريد هي.. وهو مثلنا يستمع فقط: (في السجن كان معنا في المهجع سائق سيارة أجرة من الزبداني، يعمل على طريق "بيروت - دمشق"، أقسم لي أنه يعرف قطة يراها صباحا في دمشق ومساء في بيروت، الحيوانات غير ملتزمة بحدود البشر).
ترتيب المقاطع والنصوص في الكتاب، يسمح للقارئ بفسحة هدوء، هربا من رصاصة أو من طفل قتيل أو رصاصة قادمة.
تجربته القصيرة في الاعتقال تركت ندبة على روحه، وهذا من نراه ونلمسه في الألم الكثير في كتابته عن السجن: (البلاطة هي وحدة لقياس القدم في السجن، كلما كان لك "بلاطات" أكثر كنت أكثر عراقة، الأقدم هو الأكثر راحة لأنه يملك مكاناً أوسع.
أحد السجناء القدماء اعترف لي بأنه عندما يبني بيته سيجعل أرضيته قطعة واحدة متصلة، لن يسمح لتقاسيم البلاط أن تظهر، انتقاما من ذاكرته).
بين القصيدة القصيرة والنص المشغول بعناية، وتشذيب يترك قارئه وحيدا، في انتظار نص آخر له.. لأن "الوحدة تدلل ضحاياها".
المؤلف في سطور
دارا عبد الله شاعر وكاتب كردي سوري، ينشر في العديد من الصحف والدوريات العربية.
الكتاب: الوحدة تدلل ضحاياها
تأليف: دارا عبد الله
الناشر: دار مسعى- المنامة 2013
الصفحات: 73 صفحة
القطع: المتوسط
