يؤكد كتاب «الموت وما بعد الموت وأثره على الشعر العربي»، لمؤلفه سيد الحديدي، أن كل ما وصلنا من أدبيات تبين حقيقة واحدة، وهي أنّ مصير الإنسان في النهاية هو الموت: حتمية أقرّتها الأديان، ويعلمها الكافر والمؤمن، الزاهد والفاسق، الصوفي والذي يغرق في ملذات الحياة.

يوضح الحديدي أنه رغم الاختلاف والتباين، هناك فكرة واحدة مشتركة بين الأديان حول الموت، وهي أن هناك بعثاً بعد الموت، وأن هناك حساباً، وأنّ جميع البشر ستوضع أعمالهم في الميزان، ليصنفوا إلى صالح وطالح. وهكذا انقسم المفكرون والشعراء والأدباء والفلاسفة إلى مجموعات ثلاث: مجموعة آمنت إيماناً مطلقاً بهذه القناعة، مجموعة رفضتها، مجموعة كانت حائرة متردّدة.

 وبذا فظهرت اتجاهات الزهد والتصوف والحكمة بينهم، ويبدو أنّ أبا نواس لم يفقد الأمل من عفو ربّه، فهو مقرّ بذنوبه معترف بخطاياه، وأنّ الله جدير بالغفران، وها هو يوجّه عيناه إلى السماء، ومن غير الله يستجير به المستجير:

أيا من ليس لي منه مُجيرُ

بعفوك من عذابك أستجير

فإن عذبتني فبسوء فعلي

وإن تغفر، فأنت به جدير

ويبين المؤلف، أننا نجد غالبية شعر أبي العتاهية، يدور حول حتمية الموت، وفي كل قصائده يتساءل عن الألى من قياصرة وجبابرة وملوك:

أين الحماة والصابرون، حمية يوم الهياج، لحرّ مختلف القنا

أفناهم ملك الملوك، فأصبحوا

ما منهم أحد يحسٌّ ولا يرى

كما يتساءل المعري، إذا كانت القبور حولنا تملأ الساحات، فما بال القبور منذ الأزمنة الغابرة. وبالتالي فهو يطلب من الناس ألا تمشي في الأرض مرحاً، لأنها تسير فوق أجساد العباد ممن احتواهم التراب. ويقول:

«خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد

تعبٌ كلها الحياة، فما أعجب إلا من راغب في ازدياد».

ونتبين في كثير من شعر إيليا ماضي، تأملات وتساؤلات حول الحياة والموت.. وما بعد الموت، فهو يبدأ قصيدته «الطلاسم» بالإقرار بأنّ مجيئه إلى هذه الحياة سرٌ لا يعرف له جواباً، وكلّ خطوة خطاها كانت مقدرة عليه ليس له فيها أي خيار، ويتساءل: أهذا المقدَّر كتب عليه منذ الأزل، أم أنه وليد ساعته وتنتهي هذه التساؤلات بإجابة واحدة «لست أدري».

وأيضاً، كان المتنبي يرى في جدّته أماً، لأنها هي التي ربته، ويقول الرواة في خبر وفاتها: «إنها أرسلت تشكو إلى المتنبي طول غربته عنها، وكان وقتها في بلاد الشام، فكتب إليها وقيل: إنها قبلته وحُمّت لوقتها وماتت». وأوقدت النار في صدر المتنبي، فقال قصيدته:

أتاها كتابي بعد يأس وتُرحْــــةٍ

فماتت سروراً بي، فمتُّ بها غمّاً

ويستعرض المؤلف هذه الحال لدى شعراء كثر. ومن بينهم نزار قباني الذي قتلت زوجته بينما هي في السفارة العراقية في بيروت، خلال أحداث الحرب الأهلية. وقال في رثائها:

«بلقيس/ يا عطراً بذاكرتي/ ويا قبراً يسافر في الغمام/ قتلوك في بيروت، مثل أي غزالة/ من بعدها.. قتلوا الكلام».

 المؤلف في سطور

 سيد الحديدي. كاتب وباحث. ولد في مصر، ودرس في مدارسها، ثم رحل عنها إلى سوريا، وعاش في حلب، ثم في حمص مدرساً في جامعتيهما. لديه كتب كثيرة، أهمها: جمهورية طلبة الطب.

 الكتاب: الموت وما بعد الموت وأثره على الشعر العربي

 تأليف: تأليف: سيد الحديدي

 الناشر: اليمامة للنشر والتوزيع - دمشق 2012

 

الصفحات: 242 صفحة

 

القطع: المتوسط