يلقي كتاب " افتراس اللحوم الآدمية زيارة إلى التاريخ المقارن"، لمؤلفه الدكتور عبدالعزيز غوردو، الضوء على ظاهرة قلما نجد من يتوقف عندها بشكل صريح وواضح، ألا وهي :
" افتراس لحوم الآدميين". فاليوم على البشر كما يقول المؤلف ألا يستحوا من تاريخهم. وأن يتوقفوا عن نسيان ما كان سلوكاً بشرياً رهيباً، استمر لردحٍ طويلٍ من الزمن، والمشكلة أنه يطل برأسه في بعض الأحيان، عندما تتعرض بعض الشعوب لنوائب الدهر . هكذا يسوق المؤلف تبريره للبدء بفك الخناق عن " المنزوي في التاريخ".. و" المناطق المعتمة" من تاريخنا البشري وحاضره .
ويقصد غوردو بـ " الافتراس البشري"، أو " الكلبونية":( Cannibalism )، كل سلوك يرافق افتراس لحوم البشر..ورموز السلطة التي أدت إليه، وفق طقوس اجتماعية كانت توحد المجموعات الاجتماعية. فالافتراس لم يكن تاريخياً مجرد سلوك فردي أو عشوائي، بقدر ما كان طقساً، ضمن ثقافة المجتمع، له مظاهر عديدة، منها: افتراس الأطفال حديثي الولادة، أكل جثث الأموات.
يبين المؤلف أن سلوك أكل لحوم الآدميين، مشترك بين معظم الثقافات العالمية. وإذا ما ذهبنا إلى الهند لوجدنا أن عبدة الآلهة الهندية ( كالي kali)، يأكلون المرضى والمسنين، اعتقاداً منهم أن ذلك يرضي آلهتهم . وهذا ما تمارسه بعض القبائل الآسيوية التي استمرت في أكل لحوم البشر حتى القرن التاسع عشر.
ويقدم لنا غوردو، في كتابه تشريحاً تاريخياً معمقاً " للافتراس الآدمي"، رغبة منه في استجلاء الأسباب المحفزة لأكل لحوم البشر . ويوضح أنه وجدت الدراسة، أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية لسلوك افتراس اللحم البشري : سبب نابع من الداخل يتعلق بالمشاعر والنفسيات.. وهذا هو "اللذة "، سبب يبدو أكثر التصاقاً بالمجتمع والثقافة.. وهذا هو " الثأر"، سبب له أبعاد بيولوجية ..ويقصد به " الجوع".
ولا يخفي المؤلف، واقع أن العوامل الاجتماعية والعائلية تلعب دوراً كبيراً في تأجيج هذا النوع من السلوكيات. ولذلك نجده يربطه بسلوكيات " التفظيع". فالتفظيع هو سلوك يحمل قدراً كبيراً من التوق إلى الانتقام. لذلك، نجده يفسح " للضمير" مساحة واسعة ليمارس الانتقام بكل جرأة، ومن دون أي خجل أو شعور بالعار من ارتكابها، لأن هذه الممارسة كفيلة بطرد الألم الخفي المستتر، الذي كان يعذب ويؤرق الذات من الداخل .
ويستعرض غوردو، حيثيات جانب وفرع : افتراس اللحم الآدمي بدافع الجوع . فيشير إلى أنه هذا ما حصل في " أزمة المجاعات الكبرى ". ومن ثم تحول إلى عادة لدى بعض الشعوب، إذ كانت قبائل محددة، تفضل أكل لحم الغريب، أو عابر السبيل أو أشخاص من قبائل مجاورة. والملفت للانتباه في النوع ذاك، أنه لم يقتصر على الزمن الماضي، بل إن هناك حوادث من هذا القبيل، حصلت في القرنين التاسع عشر والعشرين.
وينتهي المؤلف من كتابه، إلى التأكيد على أنه: إذا كانت المجاعة واللذة والثأر، عوامل تقضي على بعض البشر، فإن غياب الضمير يقضي على معظمهم.
المؤلف في سطور
الدكتور عبد العزيز غوردو. أستاذ وباحث مغربي. عضو في هيئات ومؤسسات علمية وثقافية وأكاديمية بارزة. مهتم، إضافة الى مجال تخصصه -التاريخ-، بالأنثروبولوجيا والفكر والدراسات القانونية والسياسية. وأيضا: النص الإبداعي. لديه مجموعة من الكتب في شتى الحقول، منها: الفتح الإسلامي لبلاد المغرب.. جدلية التمدين والسلطة.
الكتاب: افتراس اللحوم الآدمية .. زيارة إلى التاريخ المقارن
تأليف: الدكتور عبد العزيز غوردو
الناشر: دار ناشري - الكويت 2013
الصفحات: 102 صفحة
القطع: الكبير
