يلتزم كتاب «6 أكتوبر في الإستراتيجية العالمية»، لمؤلفه الدكتور جمال حمدان، منهجاً علمياً بحتاً، في الإضاءة على الاستراتيجية الفريدة لحرب أكتوبر عام 1973.
ويبدأ المؤلف بفصل طويل الحديث عن شبه جزيرة سيناء، وتقديمها للقارئ كمكان وجغرافيا، وكموضع لأحداث خطيرة ومهمة على مدى العصور، سواء عند المصريين أو عند العالم، بحكم التحامها كحلقة وصل بين مصر الإفريقية وقارة آسيا كلها. كما يعرض المعلومات الإحصائية حول البشر على أرضها وطبيعتها الديموغرافية.. والعسكرية أيضاً، إلى جانب ما تتضمنه من موارد وثروات.
ثم يتناول حمدان، معركة أكتوبر في فصول متتالية، يستهلها مع «معركة التحرير الكبرى». إذ يوضح فيه، أنه سبقتها معركة نفسية ضارية، بذل فيها الصهاينة الجهد وبكل السبل، لإحباط مشاعر كل العرب وليس المصريين فقط. وربما ساعد على ذلك انتصارهم في عام 1967.
ويتطرق المؤلف إلى ملامح الخطة العسكرية لمواجهة إسرائيل في عام 1973، مشيراً إلى أنها بدأت مع ما يعرف بـ«المبادأة»، وهو مصطلح يعني المبادأة بالهجوم.. وهو ما كان العدو يحرص على تنفيذه طوال فترة الحروب السابقة. والعنصر التالي هو «المفاجأة»، وهي المكملة للمبادأة، ومن مظاهرها:
عامل السرية المطلقة، حيث تجمعت القوات قبل أربعة أشهر من بداية المعركة، ثم تم الدفع بالقوات الرئيسة خلال ثلاثة أسابيع قبلها. كما كان توقيت بداية المعركة من عناصر المفاجأة، وهو الذي تعامل مع عدة مواقف: أنسب طقس سياسي، أنسب يوم عطلة عمل عند العدو، أنسب يوم عبور، أنسب ساعة عبور.
ويوضح حمدان مفهوم «الحرب الشاملة»، شارحاً أنها التي تجعل من المعركة العسكرية عملية ناجحة. وهو ما يعني أن كل عناصر موارد وقوة البلاد، عملت من أجل إنجاز معركة عسكرية ناجحة. وهو ما يتحقق من خلال النشاط السياسي والدبلوماسي، والنشاط الاقتصادي والاجتماعي للبلاد. وعلى الجانب العسكري، الحرب الشاملة تشمل مشاركة كل الأسلحة: دفاعية وهجومية، برية وبحرية وجوية، مشاة ومدفعية ومدرعات وصواريخ وطائرات وسفن.. إلخ.
ويؤكد المؤلف، أنه في حرب أكتوبر، كانت هناك فكرة «الحرب الطويلة» والاستعداد لها.. حيث إنه من المعروف أن اقتصاد إسرائيل لا يتحمل حرباً طويلة، لذلك فكل يوم في المعارك هو أقرب إلى النصر لنا كعرب.. حتى مع قناعة الساسة العرب بأن الفترة الزمنية للحرب، تحددها إرادة المتحاربين معاً، وليس لطرف واحد منهما.
ويصل المؤلف إلى «خطة العبور»، والتي أجمع حولها الخبراء العالميون، أن معركة أكتوبر من أكبر معارك التاريخ العسكري الحديث. وشكل اكتساح أصعب عائق مائي، مفاجأة كبرى للعالم كله، وليس للعدو وحده. فكتبت جريدة «نيويورك تايمز»: «إن العبور المصري لقناة السويس كان بارع التخطيط والإعداد والتنفيذ..»، وهي شهادة مهمة.
ولا يغفل المؤلف، في أكثر من فصل، الحديث عن الجانب السوري في معركة أكتوبر، مبيناً أن المعركة جاءت في ظل سياسة قومية تحريرية، وتحت استراتيجية عظمى مشتركة.. ثم بقيادة عسكرية موحدة، فكان التنسيق كاملاً: توقيتاً وتخطيطاً وتصعيداً أو تخفيفاً.. وبدت الجبهة السورية مختلفة عن المصرية، من حيث الموقع الجغرافي، ومن ناحية بيئة مسرح العمليات.
فالموقع يكشف بعض الملامح، منها أن دمشق تبعد 70 كيلومتراً فقط، مع قلة الكثافة السكانية في الجولان، ومقابل الجولان كثافة تماثلها من السكان على الجانب الآخر، ما يعنى بيئة فيها سكان، على العكس من الجبهة المصرية (تقريباً).
وأما عن مسرح العمليات، فيوضح حمدان، أنه لا يوجد حاجز مائي مثل القناة، وإن عرف عن الجولان أنها جغرافياً موقع قاس ومعقد كمسرح للعمليات.. ولا يسمح بالمناورة وتكتيك الكمون والتربص خلف المرتفعات كما في سيناء.
المؤلف في سطور
جمال محمود صالح حمدان. (1928م 1993م). باحث وجغرافي مصري. أنجز 29 كتاباً و79 بحثاً ومقالة. ومن أبرز مؤلفاته: شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان. وكان قد حصل على شهادة الدكتوراه في فلسفة الجغرافيا من جامعة «ريدنج» في بريطانيا، 1953م.
الكتاب: 6 أكتوبر في الاستراتيجية العالمية
تأليف: الدكتور جمال حمدان
الناشر: الهيئة المصرية للكتاب: (مكتبة الأسرة) - القاهرة 2013م
الصفحات: 445 صفحة
القطع: الكبير
