يجسد كتاب "اغتصاب كان وأخواتها"، للصحافي خليل صويلح، مجموعة حوارات ساخنة، أجراها مع الشاعر الراحل محمد الماغوط ( 1934- 2006).
يشرح صويلح في الكتاب، أن محمد الماغوط، أو الوجه الآخر للعاصفة، صاحب "العصفور الأحدب". كان من أوائل الذين أدخلوا إلى القصيدة العربية روح معجم مدهش من المفردات التي كانت قبله مهملة على قارعة الطريق. إذ دخل حديقة الشعر غاضباً متمرداً على كل أنواع القيود. وذلك ليس على قيود القوافي والأوزان، بل قبلها قيود الحياة نفسها، التي لفظته باكراً خارج جدرانها، ليجد نفسه صديق الأرصفة الأزلي، وأمير التسكع.
يبين صويلح أن الماغوط لم يغادر طوال نصف قرن من الاحتجاج والسخط والهجاء، خندقه الأوّل. فظل متمرساً بأدواته نفسها وبمعجمه التهكمي، ونبرته الاحتجاجية. فاستمر يردد: "اختصاصي الوحيد الحرية"، و"الفرح ليس مهنتي".
اختار الماغوط اسم "البدوي الأحمر"، عنواناً لكتابه الأخير، وكان أن انتهى إلى كائن ضجر بمباهج الحياة، سوداوي ومحزون، فذهب إلى بداوته الأولى متخففاً مما يلحق بها من أمجاد وخيبات وانكسارات وهزائم.
وكان، قبل نصف قرن، قد جاء إلى مائدة الشعر جائعاً، فقلب الطاولة على الجميع، ثم صفق الباب وراءه وخرج، كأي مغنٍ جوال، يشكو آلام العزلة وخراب الروح، حزيناً إلى حدود الصراخ، وحيداً مثل بدوي تائه في صحراء ليلة مظلمة. وإذ به يهتدي إلى بوصلة الشعر، ويقذف حممه إلى كل الجهات، ومنذ "حزن في ضوء القمر "، اخترع معادلة جديدة للشعر لا تشبه أية معادلة أخرى.
يدرج صويلح ما قاله الماغوط في حواراته معه. ومن بين ذلك:
السلمية: المتنبي والوحل والدجاج
يقول الماغوط: "في مطلع الثلاثينيات، لم تكن السلمية مدينة، تنظر إلى وحلها ودخانها وعيونها المجمدّة كما تنظر الفرس إلى أجراسها، أمّا التاريخ الرقم المتسلسل في المعارك الكبرى فيظل في جيب المختار والمتنبي.. وكان أطفال القرية شرسين كالحشرات، ورجالها لا يتورعون عن ضرب أشجارهم بالسوط، حتى دجاجها كان يصرخ باستمرار كأنّه مصاب بذات الرئة ...".
ويحكي الماغوط عن تفاصيل المرحلة اللاحقة في حياته: "في سن الرابعة عشرة غادرت السلمية، كنت سأدرس الزراعة في الغوطة، وفجأة أحسست أن ليس اختصاصي الحشرات الزراعية، بل الحشرات البشرية. أمّا مغادرتي النهائية لها، فكانت بين 55 و56 عندما اعتقلت لأوّل مرّة، وكان المكان الأوّل الذي أزوره خارج السلمية هو سجن المزّة .. وسبب اعتقالي هو انتمائي إلى الحزب السوري القومي..".
ونقرأ في الكتاب، تحت عنوان: متحف الرعب، حديث الماغوط: "في السجن بدلاً من أن أرى السماء، رأيت الحذاء، رأيت مستقبلي على نعل شرطي، ومن خلال عرقه المتصبب فرحاً على ما يحدث من تعذيب".
ويتابع الماغوط: "كنا مجموعة من الحفاة فكرياً وسياسياً وعاطفياً، فاتجهنا إلى ساحة البرج في بيروت، فجاء يوسف الخال ونصب لنا خيمة سمّاها مجلة ( شعر)، كانت هي الوسيلة التي حققت أمنياتنا لإيصال أصواتنا بصدق إلى الآخرين دون أي مكر سياسي. كنت أكتب لأنجو، لا تعنيني التسمية التي تطلق على ما أكتب : شعراً أم نثراً أم نحتاً أم رقصاً.
المؤلف في سطور
خليل صويلح. صحافي سوري، لـديه روايات عدة، منها: وراق الحب (حازت على جائزة نجيب محفوظ الأميركية في القاهرة).
الكتاب: اغتصاب كان وأخواتها
تأليف: محمد الماغوط
تحرير: خليل صويلح
الناشر: دار رفوف للنشر دمشق 2013
الصفحات: 104 صفحات
القطع: المتوسط
