يتحدث كتاب «موشور الفصحى الجميل»، لمؤلفه نصر الدين البحرة، عن ركائز وجماليات اللغة العربية التي استوعبت روائع الشعر العربي في الجاهلية، إذ جاءت جميعاً مضبوطة الأوزان، سليمة القواعد، ظاهرة البلاغة، من دون أن تكون ثمة بحور للشعر أو قواعد للنحو والصرف، أو مبادئ للبلاغة، وقبل إنشائها كافة بعشرات السنين. وهذا في الواقع، طبقاً للمؤلف، هو جانب من عبقرية الذهن العربي وفرادته.

ويشير المؤلف إلى أنه مرّت اللغة العربية في تاريخها بأطوار وأحداث ومواقف. كما صنفت اللغات المختلفة في أسر، ومنها أسرة اللغات السامية وتضم: العربية والأكادية والكنعانية والآرامية والحبشية. ويبين المؤلف أن اللغة العربية آخر لغة سامية دخلت التاريخ، مع الفتح الإسلامي والهجرات.. وبقيت أهم اللغات السامية وأكثرها انتشاراً، وإضافة إلى هذا، فإنّ اللغويين يعتبرونها أقرب اللغات السامية إلى اللغة الأم.

ويوضح البحرة أنه، اعتماداً على النقوش، عرفت منطقة الساحل السوري، أقدم نصوص أبجدية، قرب رأس الشمرة. إنها الأبجدية الأوغاريتية. وتؤرخ هذه النقوش بسنة 1400 ق.م. ثم يلفت إلى أنه عثر في مدينة ماري في تل الحريري، على عشرين ألفاً من الألواح المسطرة بنقوش مسمارية، تعبّر عن لغة سامية قديمة: الأكادية، التي كانت لغة العراق خلال ألفي عام ق. م.

 وكان الأكاديون يستعملون الخطّ المسماري السومري. ويستعرض البحرة رأي الدكتور عمر الدقاق الذي ينتهي إلى أن ثمة تداخلاً بين اللغة الإيبلوية واللغة العربية: «إذ تنتميان إلى أصول كنعانية واحدة، وتنضويان تحت أسرة اللغات السامية المشتركة».

ويشير المؤلف إلى أن العربية لغة سامية أدبية غنية بين مجموعة اللغات السامية الغربية.

يشرح المؤلف أنه كان العرب يمثلون في ظل الحكم الأموي طبقة أرستقراطية مترفة، وهذه الطبقة تعتمد على أمرين يربطان أفرادها: الأصل البدوي، القدرة على التحدث بالعربية كأحد أبناء البادية. وظلت الطبقات الدنيا والوسطى، مرتبطة باللغات التي سادت المنطقة قبل الفتح الإسلامي. وكان من الطبيعي أن يحرص سادة المجتمع على تنشئة أبنائهم في بيئة عربية بدوية، حتى يستقيم لهم الانتظام في الطبقة الحاكمة..

والكتب العربية حافلة بروايات من هذا القبيل. وابتداءً من الثلث الأخير من القرن الهجري الأول، أمست العربية اللغة الرسمية للدولة، وعربت الدواوين نحو سنة 87 هـ، وكانت لغة الشعر الذي تعتز به الطبقات العليا من المجتمع، وفي الآن ذاته، لغة الدين والقرآن الكريم والعبادات.

. ولكن هذا الزمن عرف شكلاً جديداً من التعبير هو التأليف باللغة العربية. إنّ ابن المقفع المتوفى سنة 142 هـ، هو أوّل من استخدم العربية كلغة كتابة، فترجم عن البهلوية مجموعة من الكتب.

وبذا دخلت العربية مستوى جديداً من مستويات الاستخدام اللغوي. وفي القرن الرابع كانت العربية تؤخذ تعلماً من الكتب، لا بمخالطة الأعراب، لذا ظهرت مجموعة من الكتب التعليمية، منها كتاب «جواهر الألفاظ» لـقدامة بن جعفر. وهكذا أصبحت العربية لغة كتابة، وأمسى تطويرها مرتبطاً باستخدامها على المستوى الإداري والثقافي، ولم تعد لغة بعض القبائل هي الفيصل، وفقدت لغة البدو في القرن الرابع الهجري، قيمتها كمثل أعلى للاستخدام اللغوي.

وكما يلاحظ الجاحظ، فإنّ العربية قفزت قفزة كبيرة في العصر العباسي في شأن المصطلحات التي استدعت وجودها العلوم المختلفة.. وإذا رجعنا مائة سنة أخرى إلى الوراء، وجدنا جذوراً أخرى للعامية في اللهجات العربية التي كانت متداولة، إلى جانب اللهجة القرشية الصافية النبيلة، وهذا ما أشار إليه الثعالبي في «فقه اللغة».

المؤلف في سطور

 نصر الدين البحرة. باحث وأديب سوري. ولد في دمشق عام 1934، تخرج في جامعتها مجازاً في الفلسفة والدراسات الاجتماعية. مارس الصحافة منذ 1955، وآخر مهامه أمانة تحرير جريدة الثورة بين عامي 1967 1969، ورئاسة تحرير مجلة «التراث العربي» في اتحاد الكتاب العرب. انتخب عضواً لمجلس الشعب عن مدينة دمشق في 1986 1990. من مؤلفاته: نفسية اليهودي في التاريخ، دمشق الأربعينات.

 الكتاب: موشور الفصحى الجميل

تأليف: نصر الدين البحرة

الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامّة السورية للكتاب دمشق 2012

الصفحات: 160 صفحة

القطع: الصغير