يتابع كتاب «الأثر الفني بين التطبيق والتشكيل»، للدكتور عفيف بهنسي، رصد جوانب وتسجيلات رحلاته عبر المتاحف والمواقع الأثرية في سوريا، منطلقاً من الحالة التطبيقية إلى الحالة التشكيلية بجميع مراحلها، إلى جانب تذخيرها بصور لآثار فنية صنعها الحرفيون والفنانون والمبدعون.

يشير بهنسي إلى انه، ومنذ بداية القرن العشرين، ظهرت مدارس لتعليم الحرف اليدوية. ولم تكن هناك ثمة معاهد لتكوين المحترفين، بل كانت الورشات هي المعاهد العملية لهذه الصناعات أو هذا "الكار" كما يقولون، ويصف الحسن بن محمد الوزان، المعروف باسم "ليون الإفريقي"، تنظيم مهن الصناع المهرة في سوريا، ووصف الاحتفالات التي كانت تجري، وكيف كانت تقام المواكب إذ تتقدمها فرق الموسيقى والصانع بحلة قشيبة.

ويبين المؤلف انه حتى منتصف القرن العشرين، بقي توزيع الصناعات اليدوية خاضعاً لخارطة ثابتة، ففي حي الشاغور كانت صناعة الزجاج قد اعتمدت على مواقد "فحم الدقّ"، و "الجفت" من معاصر الزيتون.. وغير ذلك.

أما في الشارع المستقيم حتى الباب الشرقي، فاستقرت صناعة الحفر والتنزيل بالفضة والذهب على النحاس، واستقرت الصناعة النسيجية في حي القيمرية، وتوزعت صناعة النسيج في حي الأكراد. وكانت تعمل على أنوال البروكار، وفي الشاغور والميدان كانت أنوال الأغباني، وانتقلت معامل "الدامسكو" خارج المدينة، وفي الشارع المستقيم انتشرت صناعة الميناء، واشتهرت مدينة دوما بصناعة التطريز، وكانت سوق الخياطين مكاناً مخصصاً لتصريف إنتاج أكثر الصناعات اليدوية.

ومن ثم انتقلت صناعة الطين لكي تلبي حاجات جمالية، إضافة للحاجات الاستعمالية، وبخاصة عندما استعمل حرق الطين مع الأكاسيد المعدنية كألوان أو كبريق معدني، واعتمد الخزافون على الطين المحلي. ويلفت المؤلف إلى أنه لا تزال ألواح الخزف "القيشاني" تغطي الجدران والأفاريز، وتحمل تشكيلات زخرفية ملونة بعناصر نباتية محرفة وبكتابات.

وصناعة هذه الألواح أو البلاطات لا تختلف عن صناعة الخزف.. ومن بينها: الألواح التي نراها في مسجد وحمّام ومدفن التوريزي بدمشق أو في التكية السليمانية، وفي مباني الدرويشية والسنانية وفي مدفن صلاح الدين، وجامع محي الدين ابن عربي. وهي صناعة يدوية شامية، تتميز بألوانها الباردة، كالأزرق من الكوبالت والأسود والأخضر، إلى جانب الباذنجاني.

كذلك طرأ على صناعة الأثاث أسلوباً جديداً أطلق عليه اسم "الموزاييك". كما أن العجمي- حسب بهنسي، هو مصطلح لطريقة محدّدة في التلوين تقوم على رسم عناصر زخرفية، نباتية أو هندسية بارزة ومحدّدة بخيط أسود أو ملوّن. ويوضح المؤلف أنه اشتهرت مصر وسوريا بصنع الزجاج المنفوخ على شكل أوانٍ مختلفة وكانت منطقة القيمرية في دمشق مركز صناعة النسيج الدمشقي.

وللافت هنا، أنه يفتخر متحف الفن والصناعة في فيينا، بامتلاكه مجموعة من السجاد الدمشقي الذي يتميّز في طريقة الحياكة وفي ألوان الصوف، وفي رسومه الهندسية المترابطة، ويصنع السجاد الدمشقي من خيوط الصوف ومن السداة الصوفية أيضاً.

ومن أكثر الحرف اليدوية بلاغة وعبقرية، طبقاً لبهنسي، فن الخط، وفي سوريا شهد انتعاشاً ونهضة فريدين.

 المؤلف في سطور

 الدكتور عفيف بهنسي، باحث ومفكر سوري. ولد في دمشق عام 1928. حصل على دكتوراه دولة من السوربون، والدكتوراه في تاريخ الفن. عمل مديراً عاماً للآثار والمتاحف. لديه كتب عديدة في تاريخ الفن والنقد الفني.

 الكتاب: الأثر الفني بين التطبيق والتشكيل

تأليف: عفيف بهنسي

الناشر: وزارة الثقافة دمشق 2013

الصفحات: 168 صفحة

القطع: المتوسط