ينظر كتاب "اتجاهات القصة المعاصرة في المغرب"، لمؤلفه محمّد عزّام، إلى القصة القصيرة، على أساس أنها النوع الأدبي الأكثر رواجاً وإبداعاً في المغرب، لأن الكُتّاب يكتبون بدافع الرغبة في التعبير عن أوضاعهم الاجتماعية والنفسية، ولذلك كانت نماذجهم، تشترك في الرفض والكراهية للواقع المعاش، محمّلة بالاحتجاج، وموشحة بالسوداوية، وداعية إلى التغيير، وناظرة إلى المستقبل، بأمل حيناً، وبخوف أحياناً.
ويوضح عزام أنه يمكن اعتبار قصة "فاطمة" لعبد الخالق الطريسي، القصة المغربية الحديثة، الأولى، ذات الشكل التقليدي والمضمون الاجتماعي، والذي يحكي معاناة الفقراء في واقع قاسٍ تصبح فيه الخدمة في بيوت الأثرياء، أملاً لا ينال.
ويلفت المؤلف، في الخضم، إلى أنّ المضمون الوطني ظلَّ يستأثر بالحصة الكبرى من النتاج القصصي، وتتجلى بدايته لدى: أحمد البناني، عبد الرحمن الفاسي، عبد المجيد بن جلون. فهؤلاء، كما يقول، صوروا جوانب من الكفاح الوطني عند الشعب المغربي. ويجد عزام ان مرحلة البناء والتأسيس، بدأها: محمد أحمد اشماعو وعبد الكريم غلاب وأحمد البقالي. كما يرى انه بإمكاننا تصنيف حسن الوراكلي والقطيب التناني وعبد الرحمن السائح، من ممثلي المذهب الرومانسي. وربما أن محمد الصباغ، حسب المؤلف، الكاتب المغربي الوحيد الذي كرس نتاجه الأدبي لهذا المذهب، وبذا يصنف لممثل الحقيقي للرومانسية في الأدب المغربي الحديث.
يؤكد المؤلف ان القصة المغربية الحديثة نشأت في الستينيات من القرن الماضي، إذ دعمتها رؤيتان أساسيتان: وطنية، اجتماعية (باتجاهات عديدة: واقعية ورمزية وتجريبية). ويخلص إلى أن جميع الأدباء الجدد في المغرب، راوحوا وزاوجوا بين الأسلوبين: الواقعي والرمزي، كما يظهر في نتاج كثر، منهم: محمد زينبر، محمد إبراهيم بو علو.
ويرجح عزام أن من دواعي الاتجاه إلى التجريب في القصة المغربية، أن الواقعية أصبحت بلا ضفاف، فخرجت الاتجاهات التجريبية والتجريدية والشكلية من ضفاف الواقعية، بحثاً عن التجديد والتأصيل، بما يتلاءم وخصائص المرحلة التاريخية الجديدة. ذلك بينما رفضت أفكاراً رئيسية، مثل:
البطل الإيجابي، النهاية المتفائلة. ويبين المؤلف انه لعلّ الإضافات التي حققها جيل التجاوز، تكمن في إعادة التفكيك وبناء القوانين التي كانت تشكل بنية النصّ القصصي، فهذا التفكيك أصبح يتعامل بذكاء مع استخدام المخيلة التي لم تعد وظيفتها نقل الواقع اليومي، بل أصبحت تؤدي دوراً تفجيرياً ينطلق من المعطيات الواقعية، ليعيد تشكيلها في فضاء قصصي تلعب فيه اللغة دوراً أساسياً.
ويشدد المؤلف على ان أدب التجاوز هو رؤية متكاملة لا تستند إلى خلفية واحدة، ولا تستقي مادتها من الواقع المرصود فقط، أو من الواقع المتوقع فقط، وإنما عنصر التكامل ضروري، فالواقعية الرمزية هي في الأساس المنطلق و" بتجاوز التجريب" يعتمد "المعادل الرمزي " بناء أساسياً في إبداع القصة الجديدة..
ومحمد عز الدين التازي، نموذج الكاتب المجدّد في ميدان القصة القصيرة، وهو من التيار الرمزي في التجريد، والذي يتعامل مع الواقع بوساطة الرؤيا، لا الرؤية، إذ يبني معادلاً فنياً ورمزياً للواقع، أو لفكرته عن الواقع أو لشعوره إزاء هذا الواقع، ومثل هذا البناء يجعله في أشدّ حالات الوعي واليقظة أثناء الإبداع.
الكتاب: اتجاهات القصة المعاصرة في المغرب
تأليف: محمّد عزّام
الناشر: اتحاد الكتاب العرب دمشق 2012
الصفحات: 248 صفحة
القطع: المتوسط
