يشخِّص كتاب "مقالات الوعي الوطني"، لمؤلفه صلاح بن يوسف الجودر، الأمراض التي أصــابت الحياة الاجتماعية والسياسية في البحرين. وأهمها مرض الطائفية. إذ يرى أنَّه لا يمكن، في حال من الأحوال، أن تتفشى الطائفية إلا بأيدي بعض أبنائها المهووسين بحب الزعامة والاستفراد. فعند تحليل الصورة التي كانت عليها الأحداث في الخمسينيات من القرن الماضي، حسب المؤلف، نجد أن أدعياء الوطنية هم الذين كانوا ينثرون سموم الطائفية والمناطقية. ذلك بعد أن أصيبت عقولهــم بهوس الزعامة والبروز.
يشير المؤلف إلى أنه في السنوات الخمس الماضية، رُفع الكثير من الشعارات التي تثير الطائفية وتزرع بذور الفرقة والخلاف. فمن المقترحات البرلمانية ذات النزعات الطائفية، واللافتات الاستفزازية، والأشرطة التجزيئية، والكتب التكفيرية.. وتقسيم الوطن إلى فئتين. ثم انتهاءً بالاستفزاز الديني والمذهبي.
وكأنَّ ساحات الوطن على موعد مع الاحتراب. ويلفت الجودر إلى أنَّ ديننا الحنيف نهانا عن التحزب والتعصب، كما انه جاء في دستور المملكة ما يعزِّز هذا الأمر. ففي المادة 23 يكفل الدستور حرية الرأي والتعبير، من دون المساس بأسس العقيدة الإسلامية ووحدة الشعب، وبما لا يثير الفرقة والطائفية. إذ عاش شعب البحرين سنين طويلة، شعباً واحداً متنوع المذاهب.
ولا ينسى الجودر أن يعيد إلى الأذهان، سيرة التاريخ النضالي للبحرين الذي سطَّره العظماء من رجالها، الذين عانوا عذابات السجون والمعتقلات واكتووا بلوعة المنفى والاغتراب، كل ذلك من أجل قضاياهم الوطنية، وفي مقدمتها التصدي لمحاولات المستعمر في بث الفرقة والتمييز تحت مفهوم (فرق تسد).. ولا تزال ذاكرة الوطنيين المخلصين تجل المواقف البطولية التي سطَّرها الأوَّلون بأيديهم، من أمثال:
المجاهد عبد الوهاب الزياني وبن لاحج وقاسم الشيراوي وعبد الرحمن الباكر وعبد العزيز الشملان وإبراهيم فخرو وإبراهيم بن موسى. وايضا: عبد علي العليوات وسيد علي كمال الدين ومحسن التاجر وعبدالله أبو أديب وغيرهم كثير. لذا فإنَّ سجل المناضلين يزهو حينما يرتبط ذلك السجل بمناسبات وطنية، مثل قيام أوَّل مجلس شورى في سنة 1911، وأولى الحركات الوطنية بقيادة الزياني الذي كان مصيره النفي سنة 1923..
وأولى الحركات المطلبية والعمالية بقيادة الأديب عبدالله الزائد والشاعر عبد الرحمن العوامدة في سنة 1939، وقيام هيئة الاتحاد بقيادة الباكر سنة 1954، وحركة 1967 العمالية بقيادة الشملان. فكل تلك التواريخ هي أيام وطنية جاءت في عهد الميثاق لتؤكِّد على الوحدة الوطنية.
وهنا يدعو المؤلف الرموز الوطنية في المرحلة الحالية، الى أن ترفع شعارها في رفض مبدأ الاستئساد والاستفراد بالرأي، أو الإقصاء والتهميش للآخرين، والتأكيد على فتح جسور الثقة والاحترام المتبادل بين جميع أطياف العمل السياسي كشركاء في العملية الإصلاحية، من دون مزايدات أو مهاترات.
ويرى المـؤلف أن الــداعين الى الحوار الوطني اليوم، أمــام مأزق سياسي خطير. فإما أن يكون الحوار ناجحاً بـــكل المعايير، وإما إلى الهاوية، خاصة إذا علمنا أنَّ هناك من ليس لديه سوى أجــندة واحدة لا يمكن أن يتنازل عنها، وهي أجندة (الأنا). ويبقى أمر مهم في الدعوة إلى الحوار الوطني وهو قبول الحق، والتأكيد على أن الاختلاف في وجهات النظر أساس الحوار وانطــــلاقته، ذلك أنَّ مــن أهداف إقامته هو تفهم الآخر واحترام رأيه.
المؤلف في سطور
صلاح بن يوسف الجودر. كاتب وباحث بحريني. حاصل على البكالوريس في القانون من جامعة النيلين في السودان. عمل إماماً وخطيباً. أسهم في تاسيس مجموعة من مؤسَّسات المجتمع المدني في البحرين بمشاركة قوى دينية مختلفة. من مؤلفاته: قاضي المحرق.
الكتاب: مقالات الوعي الوطني
تأليف: صلاح بن يوسف الجودر
الناشر: دار الفارابي ــ بيروت 2012
الصفحات: 164 صفحة
القطع: المتوسط
