يفنِّد كتاب "شعبك عظيم ومجتمعك جاهلي"، لمؤلفه يوسف حميد معوَّض، عادات وتقاليد السلطات العربية وجماهيرها، في أسلوب ساخر، باعتبار أنَّ السلطة راعٍ والجماهير قطعان أغنام، مشيراً إلى أنها سلطة لا تختلف عن مثيلاتها.. فالاستئثار بالسلطة هو القاعدة المعمول بها، سيما وأنَّ صورة الحكم مشبعة بالطابع العسكري والعنفي. والعامة تنظر إلى السلطة على أنَّها قادرة على الأذية

. إذ هكذا تفرض احترامها على العباد. ويتساءل معوض: ألا ينتمي رأس الدولة إلى المؤسَّسة العسكرية في سائر البقاع العربية؟

ألا تنظر إليه الناس وبالفطرة، على أنَّه المنقذ من الأزمات، في حين غابت هذه الظاهرة وبشكل نهائي عن مسار البلدان المتحضِّرة مع أفول جيل إيزنهاور وتشرشل وفرانكو؟ وكذلك حول المفهوم المدني: ألا يطمح إلى إلغاء سائر مظاهر العنف، والمجتمع المثالي الذي تتوق إليه المؤسَّسات غير الحكومية؟ أليس هو مجتمع يسير دون شرطة أو قوة قامعة؟

ويتطرق المؤلف إلى علاقة المثقَّف بالمجتمع المدني. فيأخذ بمقولة: "وما قتلَ الأحرارَ كالعفو عنهم"، ويعني بذلك مؤسَّسات المجتمع المدني التي تعنى بالتثقيف السياسي والتنشئة الديمقراطية والدفاع عن البيئة، باعتبارها منظمات أسيرة إيديولوجية الطبقات الوسطى التي تلتزم الاستقرار الاجتماعي وتنبذ العنف والانقلابات الثورية.

وتنتهج الإصلاح طريقاً للارتقاء. وهي بالذات التي استوعبت المثقَّف وألبسته مواربةً، حلَّة المسالم الذي يقرُّ بقواعد اللعبة وضوابطها ولا ينقلب عليها. وأمَّنت له مخرجاً مشرِّفاً، بعد أن تاهت وراء ستالين أو كاسترو أو بول بوت..

أو غيرهم ممَّن أثاروا الإعجاب والتأييد في زمانهم. وما كانت حشود الناشطين ضد العولمة في أكثر من موقع، سوى منفذ لمن فقدوا قبلتهم مع انهيار حائط برلين. ويبين المؤلف هنا، أن المجتمع المدني إنتاج غربي وبرجوازي، مفهوماً وتطبيقاً. ويشرح في السياق، على سبيل المثال، أنه سكت جان بول سارتر عن الفظائع التي ارتكبتها الأنظمة الشيوعية، وسدَّد سهامه إلى البرجوازية فحسب..

غضَّ النظر عن بعض الأمور، وكانت الحجَّة أنَّه لا يريد دفع الطبقة العمالية في فرنسا إلى اليأس، إذا ما علمت أنَّ الاتحاد السوفييتي ليس ذلك البلد المثالي. وإذا ما تبيَّن للكادحين، أنَّ مخيمات العمل والطــغيان من سمات الأنظمة الشيوعية.

وبالعودة إلى لبنان، يسترجع المؤلف الشعارات التي كانت رائجة ليلة اندلاع الحرب الأهلية عام 1975. ومن عيِّناتها: أرادوها معركة فلتكن - السلاح زينة الرجال، السلطة من فوهة البنادق. ويوضح أن كلاماً كهذا أقرب إلى ديوان الحماسة وإلى شعر المتنبي. لكن الأحزاب القبلية والقبائل المتحزِّبة كانت في الماضي تستلهم من هذا الكلام الغرائزي تناغماً مع قاعدتها المستنفرة لخوض المعارك العبثية،

ثمَّ يأخذ المؤلِّف يوسف معوَّض، على الدولة العربية، أنَّ من يحكمها هو (الرجل القوي) لكن في غياب النص، لأنَّ الرجل القوي هو من يقول: (الأمرُ لي). أي إنَّه الزعيمُ الذي تأتمر به الحراب. وعادة ما يكون متوارياً عن الأنظار، حتى الشعب العظيم لا يعرفه - فيترك الوجاهة للغير.

غير أنَّ المؤلِّف وحتى لا يفسد علينا جاهليتنا، يسترجع دولة المماليك، التي يرى أنَّنا ندين لها بأكثر من ما نتصوَّر بهذا الحقل. وبالنتيجة، يجد معوض أن طابع الحكم في الشرق الأوسط سلطوي لا مدني.

 المؤلفة في سطور

 يوسف حميد معوَّض. محامي وأستاذ جامعي لبناني. حاضر في القانون الدولي في الجامعة الأميركية في بيروت، وفي جامعة سيدة اللويزة. يدرِّس حالياً: قانون الأعمال الأميركي، في الجامعة اللبنانية الأميركية.

 

الكتاب: شعبك عظيم ومُجتمعك جاهلي

تأليف: يوسف حميد معوَّض

الناشر: دار نلسن بيروت 2012.

الصفحات: 293 صفحة

القطع: الكبير

الوسط