يوثق كتاب «أبحاث الندوة العلمية الدولية: حياة جلال الدين الرومي.. رائد الفكر الإنساني والتصوّف»، لمجموعة باحثين، دراسات ونقاشات المشاركين في الندوة العلمية الدولية عن فكر جلال الدين الرومي ونتاجه. وترصد فصول الكتاب، الأوراق المقدمة في الندوة، حول نتاجه الفكري ورسائله، وكذا تأثيراته في أعلام التصوّف، وفي من تأثر، ذلك في محاولة لتقديم الصورة الجميلة لجلال الدين الرومي كداعية للسلام والمحبة والسمو بالنفس البشرية والتمسك بمكارم الأخلاق والقيم الإنسانية الرفيعة في إطار الحبّ الصادق.

ويوضح الكتاب، أنه من خلال صورة جلال الدين الرومي تبرز ملامح الحضارة الإسلامية في مرونتها وسعتها وقبولها الآخر ودعوتها إلى الحوار، وقبول التعددية. فجلال الدين الرومي هو الابن البار لهذه الحضارة، وهو القادم من «بلخ» في أقصى شرق آسيا، عابراً خراسان وفارس، هارباً مع أسرته من زحف جنكيز خان وجيوشه، ليلتقي المتصوف الشهير فريد الدين العطار صاحب «منطق الطير».

وتتابع أسرته رحلتها، فتؤدي فريضة الحج لتحط الرحال في «قونية»، وهناك يتتلمذ على يد الشيخ برهان الدين محقق الترمذي، ثم يمضي بعدها إلى حلب، فيلتقي كمال الدين بن العديم، ويأخذ على يده علوماً كثيرة. ويشدّ بعدها الرحال إلى دمشق فيلتقي الشيخ محي الدين بن عربي، فيتتلمذ على يديه، ثم يعود إلى حلب ليتحول بعد ذلك إلى التصوّف الصوفي الخالد.

وجلال الدين هو المتصوّف المؤمن العملي الذي لم يدعُ إلى الشطحات، ولم يبتعد عن الحياة، ولم يحث على البطالة والكسل ولم يشجع العزلة والرهبنة. إذ تزوج ودعا إلى مقاومة العدوان، وإلى الجهاد في سبيل الله وتحرير الأرض، كما دعا إلى مقاومة الحكام المستبدين والفاسدين، وهو القائل في ذلك: «أقول للطغاة/مهما تمادى الظلم لن يدوم/أقول للكهوف والقبور/أقسم لو تركتم كهوفكم لسقطت كل عروش الوحش والشيطان».

وتبين أبحاث الندوة، المضمنة في الكتاب، أنه أسس «الطريقة المولوية» بهاء الدين ولد، والد جلال الدين الرومي، وهي طريقة صوفية قوامها مجموعة دراويش راقصين. وتشير الدراسات في الكتاب، إلى أن جلال الدين الرومي يعد ثالث المثلث الصوفي، بعد سنائي وفريد الدين العطار..

كما امتاز بقوة البيان وبراعة التصوير. وتبرز نقطة مهمة، تتمثل في أن مصادر الفلسفة عند جلال الدين الرومي كثيرة، فالأفلاطونية المحدثة والفلسفة الهندية حاضرتان في أكثر من موضع في مؤلفاته. وخلاصة الإيمان عند الرومي هي محبّة خالصة لله، تقود الصوفي إلى التوحيد بالله عز وجل.

ويلفت الكتاب إلى أنه سلّم الرومي في أن الحواسّ عاجزة عن إدراك الخالق، لكنها قادرة على تلقّي علاماته وآثاره في الكون، وهي على تنوّعها وكثرتها، ناطقة بحقيقة واحدة هي حقيقة وحدة الموجود والوجود. وترى أبحاث الكتاب ــ الندوة، أنه تجلّى الرومي في شعره عاشقاً للجمال الأسمى..

الجمال الإلهي متعدد الصور في كل مظاهر الأكوان. المتوحد مع جمال الله الواحد الأحد الذي ليس كمثله شيء، وليس لجماله مثال، والعشق الإلهي هو جوهر فلسفته أو معراجه الصوفي نحو الوحدة الإلهية. ويذكر الرومي أمثلة وجودية عدة تفصح عن معنى العشق والجاذبية، فالليل والنهار، والأرض والسماء، والعطش والماء، والذكورة والأنوثة، ضمن ثنائية متكاملة، تعرب عن معنى الكمال ومعنى الوجود ومعنى الخلق ومعنى التوحيد. وهي في خطوط صاعدة هابطة، تشكل دائرة حول المحبوب الذي هو القبلة والمقصد.

ارتسم عشقه على شكل دائرة، لأنه أدرك الجاذبية الوجودية ودوران المكوّنات حول مكونها، فلولا هذه الطاقة الإلهية المحركة لها، ما كان لها من ذاتها حركة. لذلك فإن مظاهر العشق، مهما تعدّدت وتكثرت، فإنها تؤول إلى حقيقة واحدة مركزها وجه المحبوب، نقطة الدائرة التي تتشكل حولها الخطوط الكونية في صعود وهبوط، ضمن حركة البقاء والفناء. ويتضمن الكتاب، قائمة لأبرز مؤلفات الرومي، ومنها: المجالس السبعة (وهي المحاضرات التي ألقاها على طلابه ومريديه).

 الكتاب: أبحاث الندوة العلمية الدولية: جلال الدين الرومي.. رائد الفكر الإنساني والتصوّف

تأليف: مجموعة باحثين

الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامّة السورية للكتاب دمشق 2011

الصفحات: 304 صفحات

القطع: الكبير