يسلّط كتاب "الطباخ .. دوره في حضارة الإنسان: التطور التاريخي والسوسيولوجي للطبخ وآداب المائدة"، لمؤلفته بلقيس شرارة، الضوء على تطور الطبخ كفنّ في تسلسل تاريخي دقيق يتتبع تفاصيل وحيثيات الطبخ والطباخين الذين وصلوا في مرحلة تاريخية معينة، إلى نوع من البشر لا يمكن الاستغناء عنهم بأي شكل من الأشكال. وتحكي بلقيس عن هذه الموضوعات في قالب تشابكات الطبخ مع الميثولوجيا والأساطير البدائية التي أتتنا من حضارات مختلفة. وكذا الأقوال المبثوثة بين طيَّات الكتب القديمة لفلاسفة وأدباء صنفوا الأطعمة. وركزوا على تعليم آداب المائدة وأصول إعداد الوجبات.

يأتي الكتاب كنوع من الرفد والبحث في موضوع سيبدو للقارئ موضوعاً سهلاً. ولا يستوجب كل هذا العدد الكبير من الورق والمراجع. لكن، حالَما يختفي هذا الاقتناع لمجرَّد البدء في قراءة الكتاب، يجد القارئ نفسهُ أمام أحد الموضوعات الشائكة جداً: التطور التاريخي للإنسان منذ لحظة اكتشافه للنار، مروراً بالحضارات المتعاقبة.. ونظرة كل حضارة إلى الطبخ والطبَّاخين. إضافة إلى تطوُّر الطبخ في كل حضارة على حِدة.

ومن المؤكَّد أن أبحاث الكتاب، بما تجمله وتتناوله، تمثل جهداً مبذولاً يستوجب الاحترام في رصد موضوعٍ يعد مهمَّاً جداً، كان الحجر الأساس في تطور التركيبة الفيزيولوجية للبشر. إذ يستعرض كيف اكتشفت النار. ومن ثم روضت لخدمة البشر. وتبين المؤلفة أن ما يدفع الإنسان نحو ابتكاراتٍ جديدة هو أن لا يقعَ في براثن الملل، على اعتبار أن الإنسان يملُّ بالضرورة. فمنذُ ثمانية ملايين سنة (عمر الحياة الافتراضي)، كما توضح بلقيس، بدأ يتحرك الفكر البشري مارَّاً بمراحل فكرية متعددة.. ولكي يتفرَّد الإنسان عن الكائنات الحية الأخرى، أخذ فكره ينشط محاولاً العثور على ما يميزُّه. ومن هنا كان اكتشاف النار واستعمالها في الطبخ.

يفرُد الكتاب صفحات تحليلية وتاريخية موسعة ومفصلة، تموج بالمعلومات التاريخية حول موضوعة الطبخ كفن لهُ روّادُهُ. إذ تشير المؤلفة إلى أنه فن، مثله مثل أي فن آخر سواه، يحتاج إلى تذوّق معيَّن وخبرة في التعامل مع المواد الطبيعيَّة وإخضاعها لذائقة تمرَّنَت كثيراً، إلى أن وصلت إلى هذا القدر من كفاءة تمييز الطعام كحاجة جسمانية ضروريَّة يمكن إرضاؤها بالخبز وحده. وذلك إضافَةً إلى مواد غذائية أخرى. كما تشرح المؤلفة كيف أن الطعام كفنّ يستوجِب خبرةً ومهارة متمكِّنَة .

ويتجسد الكتاب كمرجَعٍ ضخمٍ لمعلومات مثيرة عن الطبخ والطبَّاخ. فثمة تَتبُّع تاريخي محكم ضمنه. كما انه مزوَّد بصورٍ توضيحية وفصولٍ مُقسَّمَة، وفقَ كل حضارة، بدايَةً من العصر القديم، ومروراً بحضارة وادي الرافدين ووادي النيل والحضارة المصرية والصينية والرومانية والهندية. فصولاً إلى مراحل الحضارة الإسلامية والعثمانية والحضارة الأوروبية..

ومن ثم إلى الوقت الحالي: عصر العولمة. وتؤكد بلقيس في موضوعات بحثها، أنه اختلفت المفاهيم وأصبح من الممكن العثور على الطعام وأنواع مأكولات بكثرة حول العالم. وتعرض لما حوتهُ هذه الحضارات من كتبٍ ومؤلفات وأقاويل لفلاسفة وأدباء، تخصُّ آداب المائدة وطقوس تقديم القرابين والأضاحي في تاريخ الحضارات المتعاقبة.

ولا تغفل المؤلفة التطرق إلى حياة الطباخين المرموقين في العالم، أمثال: الشيف غرفاز ماركهام، وليم رابيشا.

 

المؤلفة في سطور

 

بلقيس شرارة. باحثة وكاتبة عراقية. تعيش في لندن. وهي من مواليد النجف عام 1933. حصلت على البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة بغداد عام 1956. من مؤلفاتها: جدار بين ظلمتين.

 

 

الكتاب: الطبَّاخ.. دوره في حضارة الإنسان: التطور التاريخي والسوسيولوجي للطبخ وآداب المائدة

تأليف: بلقيس شرارة

الناشر: دار المدى - العراق 2012

الصفحات: 325 صفحة

القطع: المتوسط