تستعيد رواية "سيأتيك الغزل"، للكاتب خليل صويلح، أحداث الطفولة أيام حياة البدو في الجزيرة السورية. ويبدأ المؤلف روايته بحلم عن مشهد طفل يصيد اليرابيع، وهذا المشهد يلحّ عليه باستمرار طوال الأشهر الماضية، مؤجلاً مشاهد أخرى، من أجل أن يرمّم طفولة بعيدة وخاصرة وعزلاء، هذا الطفل يكتشف بريّة واسعة ونباتات وحشرات وحيوانات، أودية ومغاور وكهوفاً، كان الرعاة يجوسون أسرارها.. وتغريه بإعادة تركيبها الآن.

يقول الصبي، إنه التهم اليربوع بشهية، وتسلّق المغاور المعتمة لجمع بيوض الطيور، وطارد سحلية، ونصب شباكاً لطير الحناء، وبتر رأس أفعى، واشتبك مع ذئب. وهذه المغامرات التي أبطالها ضباع وذئاب وطيور وحمير، وسحالي، تخطف الرجال إلى أعماق النهر.

كما تحكي له جدته حكاية الأفعى ذات الرؤوس السبعة، والحنفيش الذي يخطف النساء إلى أعماق الأرض، وحوصلة النعامة التي لها قدرة سحرية على إنتاج كيس من الذهب في كل ليلة.. والأفعى وحدها كانت تطارده في أثناء نومه، فيستيقظ، وينادي جدته بأنه يريد الماء، فتجيبه من قلب النعاس: ".. نم ... نم، سيأتيك الغزال، حاملاً قربة ماء ويرويك".

تحكي الرواية كيف أن الوشم والخزام الذهب في الأنف، والحجل المصنوع من الفضة في القدمين، والهباري الحرير التي تغطي الرأس، علامات إضافية للجمال الأنثوي، تتباهى بها النساء في الحفلات والأعراس. ويشير أنه كان عمه متزوجاً من امرأتين.

ويطلعنا على أنه كلما ذهب إلى الصحراء، انتابه إحساس غامض بأن روحه لا تزال هائمة بين تلك الرمال، يتفقد مكان خطواته، يتنازعه ثغاء أغنام وعواء ذئاب وخفق أجنحة قطا، ورائحة حليب، وطعم ماء غدران.

وأرواح قتلى دفنوا على عجل في قبور مجهولة أضاعتها الرمال "تل عربان"، هو التل ذاته الذي كانوا يعبرونه على الدوام بنوع من الاضطراب بوجود مخفر للشرطة، فمن هذا المخفر كانت تنطلق الدوريات لتأديب الأهالي، أو لتبليغ أحدهم للالتحاق بالجندية أو للتحقيق بشكوى، كان قدوم دورية شرطة إلى القرية يصيب الأهالي بالفزع بوصفها نذير شؤم.

ثم يحكي صويلح كيف كانت باحة مدرسة أبي تمّام مهرجاناً صاخباً للغات واللهجات المختلطة، "رغم وجود قرارات حكومية بعدم التكلم إلا بالعربية". ويتابع: سنردد النشيد الوطني وتحية العلم كالببغاوات، وسنتعرف على تواريخ مضمرة لسلالات وأقوام وإثنيات، وسيعبر الزمن الهوينى بين كارثة وأخرى، وبين الطالب وآخر، في هذه المدينة المبنية من الطين والحجارة والأدعية.

تستعرض الرواية، جذور أهل المنطقة: شمريون وطائيون وجبور وبقارة انحدروا من منطقة نجد قبل ثلاثة قرون، قطعوا أنهاراً وصحاري وجبالاً جرداء، انتهت بهم إلى سهول الجزيرة السورية. ثم من نجا من جحيم مذبحة الأرمن، ثم كلدان هاربون من الموصل، وسريان ضاقت بهم الجبال، ثم أكراد هائمون من تركيا والعراق وبلاد فارس، ونازحون من لواء اسكندرون وديار بكر وماردين، احتضنتهم العشائر.

واحتطبت غربتهم بالألفة ورائحة الهيل في القهوة المرّة ونحر الخراف للضيوف الطارئين. كما تتحدث عن هموم المزارعين المثقلين بالديون، والقروض المؤجلة بانتظار معجزة تأتي من السماء، وفساد مديري المصارف. وغير ذلك الكثير.

المؤلف في سطور

 خليل صويلح. روائي وصحافي سوري. من مواليد محافظة الحسكة عام 1959. لديه مؤلفات عديدة، منها: ورّاق الحب (حازت على جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في القاهرة).

 الكتاب: سيأتيك الغزال

تأليف: خليل صويلح

الناشر: دار رفوف للنشر دمشق 2013

الصفحات: 177 صفحة

القطع: المتوسط