يروي كتاب "حياة طبيب"، لمؤلفه، الراحل الدكتور نجيب محفوظ (1974-1882)، مسيرة حياة رائد طب النساء والولادة في مصر، راصداً فيها إخفاقاته ونجاحاته وجملة من معايشاته.. والكثير عن معاناة الطبيب المصري في تلك الحقبة المبكرة في القرن العشرين، تحديداً أتت عقب هزيمة قاسية وساحقة للشعور الوطني المصري، إبان الهزيمة العرابية.
وكذا سبقت - ومهدت - ليقظة الروح القومية خلال ثورة العام 1919. وهي الفترة التي درس وبدأ خلالها نجيب محفوظ عمله كطبيب. إذ كان معظم الأطباء العاملين في البلاد، والمشهورين بإجادتهم مهنة الطب، هم من غير المصريين. وكان للبريطانيين، المحتلين، شهرتهم التي طبقت الآفاق في المجال الطبي.
ويحكي محفوظ عن صلف الأطباء الأساتذة الأجانب، حينها، في تعاملهم مع الطلبة المصريين في مدرسة الطب. ويورد حكايات كثيرة كان الصواب خلالها، إلى جانبه. ولكن أساتذته، الطبيب الإنجليزي لاذع اللسان ساندويث، والألماني كوتشليخ، كانا يستهينا في رأيه.
ويقسم محفوظ، الفئات التي كانت تزدري المصريين تلك الآونة، إلى ثلاث: أبناء الجاليات الأوروبية المقيمون في مصر، المتمصرون (من أبناء البلاد العربية والشرقية الذين أقاموا في مصر)، الأثرياء من أصحاب الأراضي والضياع الإقطاعية (غالبيتهم، حسب المؤلف، من سلالة الأتراك والشركس والأكراد والمماليك الذين حكموا مصر زمناً مديداً..
وأذاقوا أهلها الويل، واستولوا على خيراتها ومرافقها). ويتساءل المؤلف هنا: "فمن الذي تبقى، بعد، في مصر ولا يحتقر المصريين؟". ويرد: "لم يتبق غير المصريين أنفسهم، وهؤلاء للمفارقة ربما كانوا أشد من هذه الطوائف جميعاً، احتقاراً لأنفسهم".
طبيب ولادة كان هذا التخصص الرهيب الذي اختاره محفوظ . ويبين في شرحه ضمن السياق، لتفاصيل الحياة المجتمعية والطبية، في الفترة تلك، المبكرة من القرن العشرين، أنه لم يكن مسموحاً للنساء المصريات، من بنات الطبقات الشعبية، أن يلدن على أيدي أطباء. ولم تكن الطبقات الثرية من كل الجنسيات، بما فيها المصرية، لتسمح بمنافسة طبيب ولادة مصري، للأطباء الأجانب.
كما لم يكن في مصر مستشفى واحد للولادة أو قسم واحد للولادة في أي مستشفى من مستشفياتها القليلة. بل لم يكن هناك قسم لتدريس الولادة في مدرسة الطب المصرية، ولم يشهد المجال أي طفرة منذ فشل تجربة محمد علي في المجال. ولم تكن هناك عيادة خارجية واحدة للتوليد قد كتب لها النجاح والإقبال من النساء وذويهم. وكذا لم تكن مصر قد عرفت بعد تجربة مراكز رعاية الأمومة والطفولة، كما نسميها اليوم، لكنها عرفتها فيما بعد على يد محفوظ نفسه.
ويحكي المؤلف، عن عملية اشترك فيها، حينذاك، بدور طبيب تخدير، ذلك بناءً على رجاء طبيب العملية الذي لم يجد أحداً يقبل بتلك المهمة، سواه.
كما يبين محفوظ أن طريقه لم يكن ممهداً أبداً، بل لاقى صنوف العقبات ومحاولات التعويق، من كل نوع، في كل خطوة كان يخطوها. وانتهت القصة، ذات مرة، إلى اتهامات خلقية طالته عن طريق الصحافة، لكن صبره النابع من إرادته وتصميمه، كان يعينه، دوماً، للتغلب على كل العقبات.
ويورد محفوظ ما قاله له، مرة، اللورد اللنبي، تعليقاً على جراحة دقيقة ناجحة أجراها: "لو تصرف كل مصري في اختصاصه كما تتصرف أنت، لما بقي لبريطانيا مسوغ للبقاء في مصر 24 ساعة".
المؤلف في سطور
نجيب ميخائيل محفوظ الشهير بنجيب باشا محفوظ (1882 1974) هو أستاذ النساء والولادة بمدرسة الطب بالقصر العيني وهو رائد علم أمراض النساء والولادة في مصر فى عام 1966 صدر له كتاب "حياة طبيب" باللغة العربية كما نشر حوالي 33 بحثاً علمياً.
الكتاب: حياة طبيب
تأليف: الدكتور نجيب محفوظ
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2013
الصفحات: 293 صفحة
القطع: الكبير
