يقدم كتاب/ رواية «يوم الدين»، للروائية رشا الأمير، قاعدة مباشرة بسيطة يعمل بمقتضاها ويلتزم بها بطل العمل، وهي بالأساس نهج وشعار لدى الصوفيين، مفادها: «افتضح تسترح».
ونقرأ في الرواية، قول البطل: «ففي هذا الصباح الباكر يواتيني عفو الخاطر، لا عن إقدام ولا عن شجاعة، أن أخط بلا تردّد البتة، لا على مفكرتي الشخصية، ولكن برسم النشر على الملأ، أنني أحبك جهاراً نهاراً وأعشقك، ولا أحسب أحداً يقدّر ما يعنيه لرجل مثلي ممتلئ كلاماً في الدين والدنيا لكل المناسبات، ونصائح لكل الأجناس والأعمار، أن يُقارن نفسه والآخرين بذات النفس منه».
تبدأ الرواية، بانتقال بطلها إلى مكان عمله المتواضع الذي يرتاده فقراء إحدى الضواحي وغرباؤها، ومدينتها هي بالولادة، إلى نكرة يلوذ بحمى السلطة، ويصف لنا المكان الذي يعمل به: «هذا المنتجع الجبلي المتنائي الذي اتخذته السلطة أهراء حصينة تخزن فيها أمثالي من أهل الاعتدال». إن هذا الرجل، بينا بلغ الأربعين من عمره، آخذ جسده على عاتقه حتى ألفه. فلا جسده عاد يتذمر من قعوده عن تلبية حقوقه عليه، ولا هو عاد يؤاخذه على مطالبته تلبية حقوقه تلك. إلى أن دخلت المرأة بينهما.
يقصّ علينا البطل سيرة حياته، من فقر والده والتحاقه بالكتاب، إلى أن تخرج في الجامعة التي كان يستفيد من مخصصاتها. ثم التحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية، وعلى هذه الحال عاش سنوات لا يخلّ بنظام حياته ما بدله من سكن ولا ما رفع إليه من درجات. «ويخبرها بأنه في اليوم الذي التقاها كأن حياته قبلها لا شيء يذكر». ويحكي كيف يلتقيان في بيتها، بعد سؤالها عن المتنبي.
ومن ثم يهرع إلى مكان نومه: «إنّ ليلتي تلك لم تمر بسلام لما طفق ينهمر علي من أطيافك». ومن خلال هذه الجلسات يبيح لنفسه أن يحكي كل ما جرى ويجري معه: في الشارع، في الحي، والبلد، إخوته وماذا أصابهم، زياراته إلى أهله، حلّه للمشكلات الخلافية بين الناس.
ويبين البطل، عقبها، كيف انضم إلى فريق القناة الجديدة الخاصة برتبة معدّ لبرنامج ومقدم له، وهذا ما أجبر خصومه على تسميته بـ«المنافق المهرج».
وتخلص الرواية إلى أحداث متشعبة، بعد اختطاف البطل. وفي العموم نجد أنها تتمتع بسمات: لغة عالية، شخصياتها قليلة لكنها مرسومة بدقّة متناهية، رواية معاصرة تدرس خفايا الإنسان وممارساته وخفاياه. كذلك تستخدم علم النفس الاجتماعي، في لغة، أقل ما يقال عنها، إنها أنيقة لترسم صورة لهذا الإنسان الذي جرّت عليه هذه الوظيفة شتى أنواع الويلات. كما اعتمدت رشا علة استثمار الحواشي بشكل متميز، مستندة إلى أقوال موثوق بها، تستشهد بها، لأمر ربما يعتقد القارئ أن اضطراباً وقع فيه.
وكذا استخدمت الروائية ضمير المتكلم، لكن ليس بالنسبة إليها وإنما بالنسبة للذكر، حتى شككنا أنها كتبت الرواية. وفي العموم، إنها رواية تجمع الكثير من معطيات الحاضر، فيها الحبّ والعشق، فيها الإنسانية والقتل، فيها نحن، وما نحتاج إليه، فيها الضياع والغربة، فيها الأمل.
المؤلفة في سطور
رشا الأمير. كاتبة وروائية لبنانية. درسّت اللغة العربية على يد الشيخ عبدالله العلايلي والفرنسية والإنجليزية. لديها كتاب واحد باللغة الفرنسية: «البلد الصغير». وهي صاحبة دار نشر «الجديد».
الكتاب: يوم الدين
تأليف: رشا الأمير
الناشر: دار الجديد، بيروت 2013
الصفحات: 488 صفحة
القطع: المتوسط
