يمثل كتاب "الأوردي.. مذكرات سجين"، للكاتب (السجين) سعد زهران، سردا صريحا وكاشفاً حول تلك التجربة. ولعل أول ما يلفت الانتباه بعد قراءة الكتاب، مدى حرص مؤلفه على رصد التجربة من زاوية تأمل المفكر المثقف، وليس بقلم سجين سياسي يدعي البطولة! ويعني زهران بـ"الأوردي"، المكان المخصص للسجناء السياسيين في سجن "أبوزعبل" في ضواحي القاهرة. وهو سجن صغير ملحق..
ومخصص للسجناء السياسيين. وسجن الكاتب فيه لمرتين، من شهر نوفمبر عام 1954م، وحتى يونيو عام 1956م، ثم من نوفمبر 1959م وإلى سبتمبر 1961م. يشير زهران في بداية الكتاب إلى ذلك الرقيب الذي وضعه على قلمه، منذ خط السطر الأول، إذ يستعرض ما أورده الأديب الروسي دستويفسكي في كتابه "ذكريات من منزل الأموات"، حيث سجن، وهو السجين السياسي، مع سجناء مدانين بجرائم عادية، وهكذا برز الكتاب وكأنه دعوة لتحسين وضع السجناء.
يؤكد زهران أن التعذيب في الأوردي لم يكن لاستخلاص المعلومات أو الاعترافات، بل لهدم جوهر الكيان الانساني في دواخل السجين، وهو أقسى وأشد وطأة على السجين السياسي. ومن مواصفات هذا التعذيب، أن لا يصل الأمر إلى حد الموت: موت السجين. كما يتجه التعذيب إلى هدم اللياقة البدنية والنفسية، ويلفت زهران إلى أن 90 بالمئة من المسجونين سرعان ما يعانون من الأمراض المزمنة، حتى نهاية العمر. أما التشويه النفسي والمعنوي، فيلحق بدائرتين: دائرة الذات وصمودها، دائرة الجماعة.
وعن أشكال القمع والتعذيب، توقف المؤلف أمام فكرة مفادها، ان استخدام القوة لإرهاب الشعوب، تحول في الفترة المعاصرة إلى قمع اقتصادي تمارسه حفنة من المؤسسات الاقتصادية التي تتحكم في مقدرات الملايين، ومن ثم التحول إلى الإخضاع الفكري والايديولوجي، باستخدام الإعلام الحديث، الذي يصعب الانفلات منه.
ويدرج المؤلف تقييماً لمرحلة الاعتقالات أثناء فترة حكم الرئيس جمال عبدالناصر، إذ يرى ان خريجي المعتقلات انتهوا إلى عدة أشكال: البعض انتهى إلى السلبية الخاملة، وغيرهم انتهى إلى السلبية النشطة.
وينقد المؤلف العقلية العربية، مبيناً أن سمة النقد تلك يفتقدها العربي تجاه الأمور الحياتية والفكرية المعاشة. ويرجع ذلك إلى دروس الأدب العربي التي انشغلت بالغزل والخمريات ووصف الناقة والفرس، بالإضافة إلى الفخر والمديح، الهجاء والرثاء، الاستعطاف والبكائيات. وهنا الفرق بين العقلية الخطابية وبين العقلية النقدية.
وكان من نتيجة تلك العقلية، أن انشغل الجميع بما يطلقون عليه باللحظة التاريخية، ويحررونها في كل بياناتهم ويطلقونها في الخطب، في مقابل أن الوقت غير مناسب للنبش في الجراح القديمة، ولا فرصة لمناقشة أخطاء الماضي.. والنتيجة هي هدر كل اللحظات السابقة والآنية. ونتيجة هذا التهيب والخوف من البحث عن الحقيقة، وانعدام الثقة في النفس، يتشكل جو نفسي ثقيل مظلم، وعبء أخلاقي، لا يتبين لأحد فيه حقيقة الماضي ولا معالم الحاضر أو طريق المستقبل.
ويجد زهران أن الأصل في هذا المأزق، الذهنية الاستبدادية السائدة، تلك التي لا تترك فرصة للتسامح: بين الحاكم والمحكوم، بين الرئيس والمرؤوس، بين الأب وأبنائه، بين الصديق مع الصديق، حتى ولا بين المرء ودواخله. والنتيجة هي تحول ما يمكن علاجه بالصدق والتسامح، وسهولة بروز ما يمكن إخفاؤه أو تمويهه بالكذب والنفاق والاستغفال والسكوت. وهنا العلاقة بين الذهنية الاستبدادية والكذب وأشكاله السابقة، سمتها أنه يغذي كل منهما الآخر.
المؤلف في سطور
سعد محمد زهران. ناشط سياسي وكاتب مصري. لديه كتب كثيرة، منها: لطيفة الزيات رائدة الرواية والنقد.
الكتاب: الأوردي.. مذكرات سجين
تأليف: سعد زهران
الناشر: هيئة الكتاب المصرية 2012م
الصفحات: 265 صفحة
القطع: المتوسط
