يقرأ كتاب "الانهيار المديد. الخلفية التاريخيَّة لانتفاضات الشرق الأوسط العربي"، لمؤلفه حازم صاغية، طبيعة التغيرات ومعاني الانهيار الحاصل في المنطقة، منبشا في عمق القضايا السياسية العربية، وأبرزها القضية الفلسطينية.

يفرد صاغية، مساحات موسعة في كتابه، للحديث عن القضية الفلسطينية، وما تعايشه في ظل الظروف الحالية. كما يتحدث، من جانب آخر، عن الضدية، والتي لعبت، من وجهة نظره، دور الخلفية التاريخية.. وكانت بمثابة غرفة الكونترول الأساسية لما يحصل من ثورات وانتفاضات في العالم العربي.

يعتني المؤلف في كتابه، وفي سياق الموضوع الذي يعالج، في رصد ركائز الحداثة العربية، بداية من الخديوي اسماعيل وحداثته، التي يمكن وصفها، حسب صاغية، بالمستبدة. ومن ثم مروراً بـ"البعث السوري الصامد" و"البعث العراقي العظيم". فالقضية الفلسطينية. ويخلص المؤلف في هذه المحطة، إلى أن القضية الفلسطينية لعبت دوراً أساسياً في توحيد العرب، لكن هذا التوحيد جاء فقط، على الصعيد الانفعالي.

ولا شيء أكثر من ذلك.. ويلمح في الصدد، إلى أن الضدية هي العامل الأساسي في ما يصفه بـ"الانهيار العربي المديد"، لافتا إلى غزو صدام حسين الكويت. ومن ثم تسميته، من قبل عديدين في العالم العربي: بطل العروبة. ويجد صاغية في تلك المظاهر الفكرية، المرض الذي لا يمكن معالجته. .

فحالة العداء العربي للحداثة الغربية، كما يوضح هنا، هي مردّ الانهيارات الحاصلة أو ربما الفهم الخاطئ للحداثة الغربيَّة من الفرد العربي، الذي يعيش في حالة من التعفن السياسي والثقافي، الموصل في النهاية، إلى انهيار مديد ممتد، والجالب إلى الأجيال المتلاحقة، وجهات نظر مخطوءة، تعمل على إرساء جمود ثقافي سياسي معين.

بالإضافة إلى النظر للغرب في كل الأحوال، على أنَّه عدو مديد هو الآخر، مترافقاً ذلك مع ظهور مفردات لعبت دور الأولوية في الفكر العربي، كالقضية أو الإمبريالية.. وغيرها من المصطلحات التي اسهمت في زيادة الشرخ الحاصل بين فهم الآخر الغربي، وعدم المقدرة على التواصل معه إلا بضديَّة.

يتصف الفصل الثالث عشر من الكتاب، الموسوم بعنوان إشكالي: (لا حدود للعفن)، بكونه بمثابة كشف تحليلي للأصولية والمتشددين. ولعل الأساس في هذا العفن الحاصل ولا محدوديته، طبقا لشرح صاغية، العداء للغرب، المتأصل في جميع مفاهيمه. ويفسر المؤلف ذلك: ((الحاضر يتداعى والعيش على الماضي يتعاظم.

بينما تزداد صناعة هذا الماضي على هدي حاضر رديء. أما المستقبل فلا تبدو له في الأفق إشارات واعدة تحمل على الاطمئنان)). ويتبين له، بعد معالجات متنوعة في الاطار، أن تلك الحال وكأنها برقيات العفن التي تُرسل عبر حكَّامٍ وطغاةٍ مديدين.

وأفراد تبنى أفكارهم على الضدية العفنة .. وكذا أن التراكم العفني هو الذي أفضى بالعالم العربي، إلى الهيجان. ولكن الهيجان هذا، الموسوم باسم الثورات، حسب المؤلف، هل سيتمكن فعلاً، وفي أثناء هذا العفن المتزايد، من تحقيق ما ترمي إليه وما تريده فعلاً رغم الضبابية التي تحيط بمصداقية معظم هذه الثورات أو ما اصطلح عليه بـ(الربيع العربي)؟!

 المؤلف في سطور

 حازم صاغية. كاتب سياسي لبناني. وصاحب عمود رأي في الزميلة «الحياة». من مؤلفاته: وداع العروبة، البعث السوري نانسي ليست كارل ماركس.

الكتاب: الانهيار المديد .. الخلفية التاريخيَّة لانتفاضات الشرق الأوسط العربي

تأليف: حازم صاغية

الناشر: دار الساقي - بيروت 2013

الصفحات: 320 صفحة

القطع: المتوسط