يرصد كتاب "مصطفى كاتب/ مقالات غير منشورة"، الذي اعده وترجمه الشريف الأدرع ومخلوف بوكروح، سيرة حياة هذا المبدع المسرحي، مبينا أن مصطفى كاتب (1920-1989)، الذي ينتمي إلى قبيلة "الحنانشة" التي قاد رجالها أوائل حركات المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي منذ 1871، من أبرز مسرحيي الجيل الثاني في الجزائر. إذ كان قد بدأ العمل في المسرح حوالي العام 1937. وأما تاريخ صعوده خشبة المسرح للمرة الاولى، فيرجع إلى سنة 1938.
ويحكي الكتاب عن بدايات كاتب مع فرقة محيي الدين بشطارزي، ثم تأسيسه في عام 1946-1947 فرقة "المسرح الجزائري". وعقبها "الفرقة الفنية الوطنية" التي أَسندت جبهة التحرير قيادتها إليه، برفقة نخبة من الفنانين الجزائريين. إذ اتخذوا من المسرح وسيلة نضال ثورية لخدمة القضية الجزائرية. إذ كانت الفرقة سفيراً للثورة. وكان العمل الاول لها، من إعداد وإخراج مصطفى كاتب، بعنوان (نحو النور).
يشتمل الكتاب، على مجموعة مقالات وكتابات غير منشورة للكاتب، كشفت عن سياسته وغيرته على المسرح الجزائري. إذ يرى كاتب ان المسرح يمتلك خاصية عظيمة جداً: السمو بالإنسان والسماح له بترقية عواطفه. ويبين الكاتب هنا، أنه لا تخفى على احد، ومع الواقع ذاك، حقيقة أن العام 1843، يمثل تاريخا مهما، إذ شهد منع السلطات العسكرية الفرنسية في ذلك العهد لـ"مسرح الظل"، الذي كان مسرحاً يمثَّل في الأحياء السفلية لقصبات المدن الكبرى .. وبعد هذا المنع كان يجب انتظار عام 1920، حتى نرى ولادة الجمعية الجزائرية السياسية الأولى.
ويوضح كاتب، أنه وبموازاة ذاك النوع المسرحي، كان هناك مسرح محترف. لكن ليس لديه الحضور الجماهيري.. وفي هذا الوقت ظهر رشيد قسنطيني، الذي استعمل في مسرحه الساخر، اللهجةَ الدارجة. ويتساءل كاتب، حول سبب عدم اهتمام المثقفين الجزائريين في المسرح؟ فيجيب : "لأنَّ مثقفينا في غالبيتهم العظمى كانت ثقافتهم ثقافة فرنسية. ولذا كان لابدَّ من انتظار عام 1958 حتى نرى مسرح (الكفاح) مع إنشاء الفرقة الفنية الجزائرية في تونس...".
ويرى كاتب، حول ظهور المسرح في الجزائر، من خلال مضمون الورقة التي قدَّمها في مهرجان دمشق المسرحي 1977، ان المسرح في هذه، لم يرتبط بالترجمة ولا بدور المثقفين، وأنَّه لم يكن هواية فقط. إذ إنَّه ارتبط في بدايته بشركة الاسطوانات (غراموفون). وكانت تقدم اسكتشات غنائية هزلية اجتماعية.
ويضيف: " من هنا يمكن أن تحدد العوامل التي ارتبطت بظهور المسرح الجزائري. والتي كان لها تأثيرها الكبير على طرق وأنواع الكتابة المسرحية في الجزائر. إذ ظهر المسرح من خلال العرض الشعبي، حيث كانت الاسكتشات الأولى تقدم في المقاهي والأحياء الشعبية المزدحمة بالسكان.
وهو بشكل أو بآخر، مسرح تجاري لا بالمعنى الحالي للتجارة في الأسواق الثقافية، بل بمعنى أنَّه أصبح حرفة للفنانين ولمنظمي العروض على السواء، وأنه لبَّى منذ البداية الاهتمامات الشعبية وتقاليدها الفنية الأصيلة. فهو مسرح ارتبط بالغناء، وبلهجة شعبية خفيفة قادرة على توصيل الفكرة واداء الدور، بل وتطريب المتفرجين. كما أنَّ الغناء ارتبط بالفكاهة التي غلبت على طريقة الاداء حتى في المسرحيات ذات المواضيع الجدية".
ويتابع كاتب شرحه في السياق: "هذا المسرح الشعبي بقي بعيداً عن رجال الأدب. ولمَّا جرَّب بعضهم الكتابة المسرحية، فإنَّ نصوصهم لم تكن صالحة للتقديم على خشبة المسرح. ولذا بقيت نصوصاً أدبية. الأمر الذي دفع الممثلين لكتابة وإعداد النص المسرحي". كما ان غياب النص المسرحي المكتوب.
كما يخمن ويبين مصطفى كاتب في ورقته التي قدَّمها إلى الندوة الفكرية في مهرجان دمشق المسرحي 1977، لم يوقف مسيرة المسرح الجزائري ولم يعرقل تطوره. لكنَّه، في الوقت نفسه، حمَّل الممثلين والمخرجين أعباء إضافية ومهمة خطيرة، ليست في الأصل من مهامهم، وللأسف الشديد فإنَّ الهوة الفاصلة بين المشرق والمغرب حالت في الماضي دون الاستفادة من النصوص العربية الجديدة، غير أنَّ الأمر بدأ يختلف الآن.
المؤلف في سطور
الشريف الادرع. باحث ومسرحي واعلامي جزائري. لديه مقالات ودراسات متنوعة.
مخلوف بوكروج.ناقد مسرحي وكاتب جزائري. لديه مؤلفات ودراسات عديدة في المجال.
الكتاب: مصطفى كاتب/ مقالات غير منشورة.
تأليف: الشريف الأدرع ومخلوف بوكروح.
الناشر: مقامات للنشر والتوزيع الجزائر 2013.
الصفحات: 150 صفحة
القطع: المتوسط

