يحرِّض كتاب " ضد الكرهية.. من أجل تفكيك خطاب الكراهية في العالم العربي"، لمؤلفه محمد محفوظ، على نبذ البغض المستحكم بين الناس والفئات في مجتمعاتنا، داعيا إلى التعايش بين أهل الأديان. والانتقال في عملية الحوار، من النطاق اللاهوتي إلى الثقافي، الذي يبني حقائق التسامح والحرية واحترام الآخر، وجوداً ورأياً، في الفضاء الاجتماعي.
كما يشدد على ضرورة الاهتمام الجاد في مسألة حقوق الإنسان، لأن الاختلاف الديني لا يُشرِّع، بأيِّ حال من الأحوال، انتهاك حقوق الإنسان. كذلك فإن انفتاح الثقافات الدينية المعاصرة على ثقافة حقوق الانسان، سيُفضي إلى المساهمة في بناء عالم أكثر عدالة وتسامحاً وحرية.
يلمح محفوظ، إلى جدوى تنمية القيم الروحية في المجال الإنساني المعاصر، وهو يتطلَّب، حسب رأيه، أن تتبنى المؤسَّسات الدينية في كل الأديان، مقولات بناء النظام السياسي المرن والديمقراطي..
ذلك كون الأنظمة السياسية المنسجمة مع خيارات شعوبها الثقافية، هي الأقدر على تنمية القيم الروحية في المجتمع. فالمشروعات السياسية التي سادت في مجالنا العربي والإسلامي، بصرف النظر عن إيديولوجيتها وشعاراتها، طبقا لرأي الكاتب، تحولت إلى مصدر من مصادر العدوان والعنف. فالمشروعات الايديولوجية والسياسية التي لا تحمل موقفاً حضارياً وتعددياً من الآخر المختلف والمغاير، أسهمت في شكل أو آخر، في نشوء ظاهرة العدوان والعنف والتطرف.
يرى محفوظ ان من يرفض الآخر على مستوى الشعور والفكر، هو الذي يؤسِّس للحرب وممارسة العنف تجاهه في الواقع الخارجي. لذلك فإنَّ المدخل الحقيقي لعلاج ظاهرة العنف والعدوان، إعادة تأسيس العلاقة مع الآخر المختلف والمغاير.فالأنا لا تقبض على كل الحقيقة. والآخر ليس شراً وباطلاً بالمطلق. إنَّ تأصيل هذه الحقيقة هو الذي يزيل من نفوسنا وعقولنا كل المسوغات النظرية والنفسية، لمعاداة الآخر، باعتباره مخالفاً لنا في المعتقد الايديولوجي، أو في الموقف الثقافي أو السياسي.
ويستنتج محفوظ ان مشكلة التفكك الثقافي الاجتماعي التي نعانيها، تعود في في جذورها ومسبباتها المباشرة وغير المباشرة، إلى حقيقة كون مجتمعاتنا في بنيتها ليست وليدة التعددية وحقائقها أو التمايز الديني والمذهبي ومدارسه واجتهاداته المتنوعة، وإنما وليدة السياسات والعقائد والنظريات التي تعمل وفق أجندة قهرية على تعميم نفسها، وعدم السماح لكل المقولات والنظريات الأخرى في البروز أو التعريف بذاتها وخياراتها.
فالوحدات الوطنية في كل دول العالم العربي، طبقا لما يقوله المؤلف، لا تُحمى بالخطابات الرنانة والمواعظ الأخلاقية المجرَّدة، بل بالوقائع الميدانية والمبادرات المؤسَّسية التي تستوعب جميع أطياف الوطن وتحمي تنوعه بقانون وإجراءات دستورية، فتحول دون بقاء الفجوات والهواجس المتبادلة بين مكونات التعدد والتنوع سواء على المستوى الوطني أو المستوى القومي.
ولعلَّ ما يجري الآن -حسب محفوظ- في العديد من الدول العربية والإسلامية، يتجاوز حالة الاختلاف والتباين المذهبي. ويدخل في نطاق بث الكراهية المذهبية وترسيخ مفهوم العداء بين المسلمين، لاعتبارات مذهبية. فما نسمعه في العديد من المنابر، هو تعميم مفهوم الكراهية المذهبية، وتغطيته دينياً وثقافياً.
وهذا في طبيعة الحال، ينذر بمخاطر عديدة، تمس الواقع الإسلامي المعاصر بأسره. فالاختلافات المذهبية مهما علا شأنها، كما يرى، ينبغي أن لا تقودنا إلى الانطلاق في حملة بث الكراهية المذهبية، لأنَّ الحملة ومتوالياتها وردود الفعل المتوقعة تجاهها، ستحوِّل العالم الإسلامي كله إلى كرة من اللهب متنقلة ومدمرة للكثير من حقائق الانسجام والألفة بين المسلمين.
الكتاب: ضد الكرهية.. من أجل تفكيك خطاب الكراهية في العالم العربي
تأليف: محمد محفوظ
الناشر: المركز الإسلامي الثقافي- مجمع الإمامين الحسنين. بيروت2012
الصفحات: 120 صفحة
القطع: الكبير
