يسرد كتاب ( مرايا فرانكنشتاين )، لمؤلفه عباس بيضون، الجزء المهمّْ من سيرته الذاتية، في قالبٍ نثري اشتُهِرَ به الشاعر.. ويتحدَّث بيضون في كتابه عن مراحل وتفاصيل جمة في سيرته، عبر فصولٍ خضعَت لتزمينٍ مُتتابع ضمنياً يتجلَّى، عبر الفصول التي خُصِّصَت لنقلِ السيرةِ الذاتيَّة بلغةٍ نثريَّةٍ أقرَب ما تكون إلى سردٍ روائيّ. فالراوي هو الشاعر نفسهُ، ويتحدَّث عن فسحة انفصال ما بين الذات الحقيقية والذات الشعريَّة: الذات الحقيقية التي تغدو في لحظةٍ معيَّنة شبحاً لمراقبَة الذات الشعريَّة وهي تتنقَّل بحريَّةٍ تامَّة بينَ أقاليم الماضي.

ونجد أن الكتاب ينضح بنصوصٌ شائقة، تسرُدُ كمرايا متعددة تعرّي حياةً بالكامل وتجعلها واضحَةً للعيان. مرايا لاعترافات موزَّعَة بينَ طيَّات النصوص. اعترافات عن الأرق أو ( النوم الأبيض )، كما يسميه بيضون في إحدى نصوص الكتاب. يسرُد ها هنا حكاياتٍ عن قريته. ومن ثمَّ انتقالهِ الى المدينة. وقبل هذا كله، عن طفولته ومصادر ثقافته، ليعرض في ما بعد، اغترابه وأرقَهُ وانفصالَهُ عن الواقع. التحامٌ مع الخيالات والأطياف التي تتحرُّك في الذاكرة. ويقول عن الأرق :

( الأرقُ في الحقيقةِ نورٌ. نورٌ لا يمكن إطفاؤه وهذه هي المشكلة ) .

مرايا فرانكنشتاين هو كتاب استعادي لسيرة شخصيَّة وشرحٌ لليومي الذي تحوَّلَ ماضيَاً وللاضطرابات النفسيَّة التي يتعرَّضُ لها الكائنُ الشاعر، على اعتبار أنَّ ما يتعرَّض لهُ هذا الكائن يكونُ مختلفاً من ناحية التفسير. وأيضاً في أسلوب التعامل. قلقٌ وجوديّ يتبدَّى جليَّاً كعين الشمس. قلقٌ ملتحِمْ يسكنُ داخلَه المليء بالرغبات والذكريات التي تغدو تسليَةً مع مرور الزمن، أو ربَّما في ما بعد، كنوعٍ من طَرد لأشباح القلق المتعددة .

(( أضعُ رأسي على وسادة فوق ذراع الكنبة وأتطلع إلى التلفزيون وأنظر في كتاب. اللمبة مضاءة والبيت مشعشع والتلفزيون مشغَّل وأنا فقط أتفرَّج. ليس لدى النوم ما يخشاه إذاً، بوسعه أن يخرج ويتسلَّل ... )) . وللاغتراب الداخلي مساحة واسعة خُصِّصَت، يتحدَّثُ فيها بيضون عن تجربته في مستشفى للأمراض النفسيَّة. مكانُ إقامَة الصَّرخات : ((انطلقت صرختي ومنذ أرسلتها لم أجد حاجة إلى إرسالها، صارت تتجدد من تلقائها وكل مرة بصوت أعلى، كنت أفرغ نفسي ولا نهاية لما يخرج مني)) .

إنَّ مرايا فرانكنشتاين هو كتاب لحياة لم تنتهِ بعد. حياة لا تزال محتفَظَة في أجزاء غامضة من الدماغ واللاشعور، بشذراتٍ تطفو في لحظات الغيبوبَةِ. أو كلَّمَا تمكَّنَ الشاعر من حصر الذكريات في مكانٍ ما. ومن ثمّ لتبدأ مرحلة توليف علاقة مع العناصر المختلفة والكائنات الموجودة في المحيط . شريطٌ استذكاريّ يشبهُ الحلمَ وتداعياتِهْ .

ومن ما يقوله بيضون في كتابه :(( في وقتٍ من الليل وأنا على فراشي يبقى لي جسدي وحده. جسدي وحده أمامي ولا أستطيعُ أن أهرب منه. أن أبتعد عنه بأي سبيل. جسدي وحده أمامي وكلَّما تحرَّكتُ اصطدمتُ به ... )).

 

 

المؤلف في سطور

 

عبَّاس بيضون. شاعر وصحافي لبناني. يعمل كمسؤول عن الصفحة الثقافيَّة في جريدة السفير اللبنانيَّة. صدر له العديد من المؤلَّفَات الشعريَّة والنثريَّة، منها : بطاقة لشخصين، الموت يأخذ مقاساتنا (الديوان الحائز على " جائزة المتوسِّط " عن فئة الشعر).

 

 

 

الكتاب: مرايا فرانكنشتاين

تأليف: عباس بيضون

الناشر: دار الساقي - بيروت 2011

الصفحات: 155 صفحة

القطع: المتوسط