تحمل رواية "نادي السيارات"، للكاتب علاء الاسواني، جملة ابعاد سياسية لا يُمكن أبدا، وبأي حال من الأحوال، إنكارها، لكنها في الأخير، تطرح تساؤلات عميقة المغزى، منها : هل تدفع "لقمة العيش" الى الانصياع بطريقة تمس الكرامة؟ هل تحمل المرؤوسين ظلم وديكتاتورية الرئيس ليس له حد، أم أنه مُعرضٌ للثورة ضده في أي وقت؟ ما هي الآليات الطبيعية لمسار الثورة على الديكتاتور؛ لإسقاطه؟ وهل من الممكن أن يشهد الرئيس الديكتاتور مصيرا داميا كما "الكوو"؟!
تدور الرواية في حقبة الأربعينات من القرن الماضي، من خلال أسرة عبدالعزيز همام، وزوجته رقية، وأولاده الثلاثة محمود وكامل وسعيد وابنته صالحة.. وهي الأسرة التي ضاقت بها الحال في بلدها، وتخطفت أفرادها الأزمات المالية، فلجأوا إلى القاهرة، ليلتحق رب الأسرة للعمل في مخزن نادي السيارات، قبل أن يموت كمدا بعد أن اعتدي على كرامته، ثم لحق به اثنان من أبنائه للعمل في النادي.
واختار كل واحد منهما طريقا مغايرا، أما أحدهما فسلك النهج السياسي، واشترك في خلية سياسية مع أحد أمراء القصر الملكي المعارضين لسياسة الملك فاروق، فكان مصيره السجن، وأما الآخر فقدّم نفسه وجبة شهية لسيدات عجائز افتقدن الحب.. وعن باقي آل عبدالعزيز همام، فابنته عاشت قصة مأساوية مع زوج عاجز، ونجله الآخر اتسم بـ"الأنانية" والإفراط في حب الذات.
ولم تغفل الرواية المشهد السياسي الدائر في مصر خلال حقبة الأربعينات في القرن ال20، من خلال شخصياتها، كما أنها كشفت عن وجهٍ من أوجه الملك فاروق آنذاك، وقدّمته على كونه دائم السهر في نادي السيارات للعب القمار ونائما طوال النهار، ويعمل لديه قوادون يجلبون له الحسناوات من كافة الفئات.
ويأخذ الأسواني قارئه إلى مصر الأربعينات من القرن الماضي، في مجتمع بدأ تذمره يعلو ضد سلطة تعبث، وبدأ يدرك على استحياء أن له حقوقا طال صمته عنها.. ما بين ملك منغمس في لذاته الخاصة، وكبير للخدم الملكي يتصرف كملك فوق الخدم، ومحتل إنجليزي لا ينفك ينظر إلى المصريين نظرة احتقار واستعلاء.
. فيعقد مقارنات بين المصريين حينها والمصريين حاليا، طارحًا الأسئلة كافة التي شغلت عقولهم وما زالت تثير حيرتنا. إذ نجد فيها انه قبل أن تنطفئ البطاريات ويسود الظلام، ويجهش المحتجون على "الكوو": قاسم محمد قاسم، كبير شماشرجية أو خدم القصر الملكي، يسجى على الأرض بينما اخترقت رصاصة جبهته ..
وهذه النهاية التعيسة لـ"الكوو" برزت كحلٍ للأسواني، فراح يشحن شخصيات روايته إزاء ذلك الحل، كمخرج ونهاية لديكتاتور ظالم كبّلهم طيلة أحداث الرواية، وامتهن كرامة خدم نادي السيارات، والذين أنذروه مرارا وتكرارا. وتحكي الرواية كيف تصدى "الكوو" إلى كافة مُحاولات الخدم من أجل زعزعة استقرار النظام الذي فرضه على نادي السيارات، مستخدما ما لديه من دلال على القصر، وشبه تفويض رسمي من الملك فاروق بتسيير أحوال الخدم في النادي وفق رؤيته.
وحمل المشهد الأخير من الرواية، تساؤلاً مفاده: هل يُقدم الأسواني حل "الاغتيال" كمخرج رئيسي من الأزمات؟ وهل يُحرض على استخدام خيار العنف والقتل لما تفشل مفاوضات المتظاهرين والمحتجين؟
وهو خيار ربما يكون سهلاً في العمل الإبداعي على الورق، صعبا في الحياة العملية!.. أم أنه حاول باغتيال "الكوو" أن يُعبر عن غضب ما دفين داخل نفوس "الثوار" أو "الفقراء والضعفاء".. خيار يُفكرون فيه دوما كنوع من الأمنيات، لكنهم يخشون عواقبه.. فهل الأسواني حرّض على القتل؟ أم أنه عمد توجيه رسالة "تخويف" لكل من هم في سلطة "الكوو" وينتهجون نفس سياساته؟!.
المؤلف في سطور
الدكتور علاء الأسواني. كاتب وروائي عالمي، عمله الرئيسي طبيب أسنان. برز في المجال الأدبي بصورة كبيرة، من خلال أعمال له، دائما ما كانت تُعزز الجدل في المشهد الثقافي، أبرزها: "عمارة يعقوبيان"، "شيكاغو".
الكتاب: نادي السيارات
تأليف: علاء الاسواني
الناشر: دار الشروق - القاهرة 2013
الصفحات: 644 صفحة
القطع: الكبير

