يناقش كتاب "ثورات القوة الناعمة في العالم العربي.. من المنظومة إلى الشبكة"، لمؤلفه الدكتور علي حرب، دور العولمة وشبكة الإنترنت وبرامج التواصل الاجتماعي، في تأطير جهود جيل شبابي كبير في العالم العربي، لمناهضة كل سلبيات حقبة أنظمة الاستقلال، من فساد وبيروقراطية وقمع وفشل في التنمية والتحرير. وبالتالي، اندلاع الثورات العربية، التي يسميها ثورات القوة الناعمة لأنها كانت سلمية..
وكون أدواتها قوة التواصل والحشد والتأثير التي هي قوى سلمية وتواصلية ناعمة، لا البنادق ولا المدافع ولا الرصاص. ويشير حرب إلى أنه بالرغم من لجوء الثوار في بعض الدول العربية، إلى السلاح، إلا أن الأساس كان سلمياً وحمل السلاح كان رداً على قمع السلطة.
ويشير حرب إلى أن صعود الأصوليات الدينية التي استفادت من إخفاق المشروع القومي والبرنامج الاشتراكي، أدى إلى مزيد من التردي والتراجع
ويبين المؤلف أن لكل عصراً ثورته وقواه، وهذا ما لم يكن وارداً في حسبان القوى المهيمنة، القومية واليسارية.. الحداثية والتراثية.. الدينية وغير الدينية. وذلك باعتبارها كانت ولا تزال، تقرأ المجريات أو تدير الشؤون بأدوات العصور الآفلة وثوراتها الفاشلة بشعاراتها ونماذجها ومنظماتها ولجانها وميليشياتها.
هكذا، وبينما كانت الأنظمة العربية، حسب المؤلف، بطاقمها الكامل، من الحاكم والداعية والمثقف أو المتلاعب والمضارب، تتربع في سلطتها المغتصبة أو تتنعم في ثروتها غير المشروعة، أو تتشبث بعقائدها البائدة وأفكارها المستهلكة، أو تدافع عن هويتها العاجزة وثوابتها المعيقة، كانت تعتمل وتتشكل في رحم المجتمعات العربية قوى جديدة صاعدة بصورة هادئة وصامتة وخفية، ومن غير ادعاء، إذ أفاد أصحابها من التحولات التي صاحبت الموجة الحداثية الجديدة، بأدواتها فائقة الجدوى، وبمعطياتها السيالة ووقائعها الافتراضية.
ويقارن حرب بين الثورات العربية القديمة والجديدة، لافتاً إلى انه كانت الثورات السابقة، بثنائياتها الضدية واستراتيجياتها القاتلة والمدمرة، تنظر إلى الفرد كعبد خاضع يمارس طقوس العبادة للثورة وآلهتها وأبطالها، وإلاِ عومل كعميل أو خائن أوعدو. ولكن، في المقابل، فإن الثورات الجديدة.. الناعمة.. المدنية، تتعامل مع الفرد كمنتج وناشط ومبدع وفاعل وصانع ومشارك في بناء بلاده،
ويشير المؤلف إلى صدمة النخب، مؤكداً أن المثقفين من أصحاب المشاريع الأيديولوجية والثورية والتحررية، يأتون بعد فوات الأوان، ليعترفوا أن الأحداث تسبقهم أو تصدمهم أو تفضح عجزهم وهشاشتهم، وجهلهم بالنفس والآخر والمجتمع والعالم.
كما ينبه إلى ضرورة عدم التفاؤل السريع بمجرد سقوط أنظمة قديمة ومجيء أنظمة جديدة ترفع شعارات الحرية والعدالة، لأنها ليست أموراً بديهية أو حقوقاً فطرية هناك من يقوم بانتهاكها واغتصابها ثم تأتي الثورات لاستعادتها وتثبيتها، فهذه نظرة ساذجة وطوباوية إلى القضايا، يتعامل أصحابها مع مسألة الحرية كنقيض للسلطة.
وهذا مقتلها، بحسب حرب، فالذين مارسوا الحرية بمخيلة فردوسية، استبدوا بها أو وقعوا ضحيتها، ولهذا فإن قراءة الواقع تتطلب أقصى الحذر والحيطة والتعقل والتبصر، حتى لا تقع الثورات الجديدة، فيما وقعت فيه الثورات السابقة التي أنتجت عبودية بأشكال جديدة.
المؤلف في سطور
الدكتور علي حرب. باحث وكاتب لبناني. لديه مؤلفات عديدة، منها: نقد الحقيقة، أوهام النخبة أو نقد المثقف.
الكتاب: ثورات القوة الناعمة في العالم العربي
تأليف: علي حرب
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون ط2- 2012
الصفحات: 240 صفحة
القطع: الكبير

