يسعى كتاب «الإبداع والمشروع الحضاري»، لمؤلفه الدكتور أنور عبدالملك، الصادر في نسخة جديدة (2013)، بعد أن برز للمرة الأولى في عام 1991م، يسعى إلى البحث عن إنجاز ثقافي حقيقي وضروري في العقد الأخير من القرن العشرين. ويسعى المؤلف إلى هدفه ذاك، من خلال طرح الأسئلة الضرورية لخلق إبداع فكري عربي جديد، يتجاوز بها الجمود الفكري والقناعات المعلقة للانتقال من فكرة التنمية إلى هدف النهضة الشاملة.
ومع إعادة نشر الكتاب عام 2013م، يلاحظ المتابع أهمية التوقف مع جملة الأفكار المطروحة، وإن بدا أن بعضها تأثر بمتغيرات سياسية واقتصادية، مثل اختفاء الاتحاد السوفييتي، بما كان يمثله من بعد سياسي واقتصادي وفكري بالتالي. ويرى الكاتب أن نقطة الانطلاق هي التجربة المشتركة بين مصر وسوريا، فمعها تحقق منجز حرب أكتوبر عام 1973. ويرى أن هذه الأرضية تسمح بالتلاقي والاختلاف على طريق البحث عن الممكن، على طريق التنمية.
ويبين عبدالملك أن هناك فريقاً (تقليدي) يرى أن العملية تنحصر في فكرة «التنمية».. بوصفها المفهوم السائد عن الدول المتخلفة اقتصادياً، مقارنة بمجموعة الأمم المتقدمة اقتصادياً، أو بوصفها العالم الثالث، بحسب تعبير دول المركز، ومن ثم جاءت التنمية بمعنى اللحاق بالدول المتقدمة صناعياً.
وبالتالي السير على طريق الدول المتقدمة اقتصادياً (السوق الحرة) أو (الاشتراكية)، في حينه وقبل سقوط السوفييت. وفي إطار هذا التوصيف يجد أن الاقتصاد صاحب المكانة الأولى، وبالتالي حكم طغيان توظيف النهج الثنائي (التقليد/ التكرار).. وبذا سادت مفاهيم «النقل».. نقل المعرفة والتكنولوجيا. وهذا الموقف وجد من يبرره بالنظر إلى التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية.
ويؤكد عبدالملك أنه تعد الثقافة ذات خصوصية لمجتمعنا العربي في مجال التنمية، نظراً للكثافة الحضارية التاريخية منذ القرن السابع الميلادي. فإذا كان البعض يظن أن نمط الغرب هو الأمثل للتقدم، منذ القرن الخامس عشر (عند بعض رجال الفكر الاجتماعي الغربي)، فربما يستتبع بفكرة (النقل) عنهم، أي عن الغرب. وهو بالتالي ينتج تنمية تابعة تعتمد على التقليد. إلا أنه وجب النظر إلى أن تكون نقطة البدء، بعيداً عن التقليد، هي البحث عن الذات: تحديد الذات القومية، والتعرف إلى الثقافة الحضارية، ثم الانطلاق من الذات (بإمكاناتها وممكناتها وطاقتها).
ويخلص المؤلف إلى القول: إن القرار السياسي القومي في مجال التنمية، هو المفتاح.. ويتخذ بناء على إدراك الخصوصية القومية/الثقافية وطاقتها الكامنة، وبالتالي يبرز الدور الثقافي في العملية التنموية. ويعد إدراك أهمية الثقافة ودورها التنموي أمراً يشير إلى قضية «الأصالة» في كونها في العربية مغايرة عن المجتمعات اللا-عربية (التي هي أكثر تقدماً).
وبالتالي يرى البعض أنها ترسيخ لرواسب الماضي وتأكيد لما هو قائم.. وهي رؤية تركن إلى جذور نفسية أو عرقية. ورداً على تلك الرؤية يرى الكاتب ضرورة الرجوع إلى مفهوم «الخصوصية»، بمكوناتها الأربعة: إنتاج احتياجات العيش، حاجة استمرار الجنس البشرى للتناسل، التمركز حول مركز للسلطة الاجتماعية، العلاقة بالزمان والتاريخ.
كما يناقش المؤلف التجربة الثقافية المصرية، منذ مطلع القرن 19.
المؤلف في سطور
أنور عبدالملك. كاتب مصري. ولد في القاهرة عام 1924م. حصل على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة عين شمس - ودكتوراه الدولة في الآداب من جامعة السوربون في فرنسا - شغل مناصب عدة، منها: نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلم الاجتماع.
الكتاب: الإبداع والمشروع الحضاري
تأليف: الدكتور أنور عبدالملك
الناشر: هيئة الكتاب المصري- 2013
الصفحات: 270 صفحة
القطع: المتوسط
