يتناول كتاب " فقي تيران "، لمؤلفه حيدر عمر، حياة الشاعر الكردي فقي تيران، مضيئا على قيمته واهميته الفنية. ويبدأ المؤلف بالعصر الذي عاش فيه الشاعر، مشيرا الى انه ولد سنة 971 هـ الموافق 1564 م، في مدينة "مكس" الواقعة في إقليم "هكاري ".
حيث تتبع الى قضاء " حيزان " في ولاية "بدليس " في كردستان الشمالية. وتلقى تعليمه على أيدي شيوخ زمانه، ثم انتقل إلى بلدة فينيك، فأمضى شطراً من حياته فيها، ثم توجه إلى جزيرة بوتان لما كانت عليه من مكانة علمية، ولوجود المدرسة الحمراء فيها، والتي تضم نخبة من خيرة الشعراء والعلماء والمدرسين .
يتحول الكتاب عقبها، لتبيان تنقل الشاعر بين مدن وقرى متعدّدة، حتى أصبح يعرف بـ "فقي روك" أي الجوّال. وهو كان متضايقاً من غربته هذه، ومن ما قاله بهذا الخصوص:
إيه أيها الشعر!... ماذا فعلت بي؟
حملتني على الرحيل والغربة
ولكن فقي تيران، يحن إلى مسقط رأسه، فيعود إلى بلدته مكس، ليموت فيها حوالي سنة 1660 م، إذ دفن فيها ولا يزال قبره ماثلاً يزوره الناس.
ويلفت المؤلف إلى أنه لعل أقوى المؤثرات الإسلامية في ثقافة فقي تيران، ما هو مستمد من العقيدة الإسلامية، ففي شعره إشارات واضحة وصريحة إلى الإيمان بالله الواحد الذي لا شريك له، إذ يقول :
أيّها القلب انفض عنك الناس
فسوف نذهب جميعاً إلى التراب
نمتثل بين يدي الله.
أمّا الثقافة العربية فيستعملها الشاعر، من دون شعور بالحرج، لذلك لا نعدم في شعره ورود كلمات عربية، وبالمعنى العربي لها، مثل ما نجد ورود كلمتي : خير ومزرعة، في قوله :
لو عمرت هذه الدنيا لخير الإنسان لكانت مزرعة عجيبة.
ويوضح الكتاب، انه ترك الشاعر آثاراً شعرية كثيرة، منها: ملحمة " خان دمدم "، حكاية " الحصان الأسود "، قصة " برسيس العابد "، حكاية " معركة سيسبان "، قصة " شيخ صنعان". ولديه كذلك، مجموعة قصائد ومقطوعات شعرية، منها: وردة الربيع والبزق. بالإضافة إلى ديوان فقي تيران، الذي يضم ثلاث عشرة قصيدة، ويقع في مئة وست وسبعين صفحة من القطع الكبير، مع مقدمة لسعيد ديرشي وبرّاني آليخان، ومعجم لغوي لشرح المفردات .
ويؤكد المؤلف أن الشاعر قريب الصلة من الأدب الشعبي. كما أن السمة الإنسانية بارزة في شعره، إذ يرتفع فيها صوت الإنسان مدوياً، وهو يدعو بصورة درامية، إلى الحبّ، وانتصار الإرادة الطيبة لدى الإنسان .. إنه يمثل مرحلة انتقال الأدب الكردي من طوره الشفاهي إلى الكلاسيكي الذي ظهرت ملامحه على يديه، واكتمل نضجها على يدي ملاي جزيري.
وبهذا يكون الشاعر ليس واضع اللبنة الأولى لتجربة فنية جديدة فحسب، بل ركيزة محاولة إنتاج فني نوعي ووجدان ثقافة ومرحلة كاملتين، تسعيان إلى إحداث تحول كامل، يشكل جوهره انحيازاً إلى عملية التقدم الأدبي والاجتماعي والحضاري والإنساني . ذلك خاصة وانه ترك بصماته واضحة في الأدب الكردي، وهو ما نجده اليوم لدى الشعراء الأكراد الكلاسيكيين، أمثال : جكر خون.
الكتاب: قفي تيران.. حياته شعره قيمته الفنية
تأليف: حيدر عمر
الناشر: تكنوبرس بيروت 2012
الصفحات: 132 صفحة
القطع: الصغير
