يبدأ كتاب "فقه اللغة العربية المقارن"، لمؤلفه الدكتور زكي المحاسني، في التعريف بـ "فقه اللغة"، لافتاً إلى اتفاق واضعي المعاجم، بأنه: "العلم بالشيء والفهم له والفطنة، والفقيه عندهم هو الموصوف بالعلم والفهم والفطنة" .

يدرس الكتاب مظاهر اللغة وأصولها التاريخية وعلاقة اللغة بعلوم: الجمال والاجتماع والنفس، ليصل مؤلفه إلى نتيجة تقول: "إنّ صرح اللغة المعنوي ينبغي أن يقوم على هذه الأعمدة الثلاثة التي هي نضارة العقل الإنساني، وهي الأصول الأصلية للطبيعة الإنسانية، كذلك الحال عند الغربيين فقد انفردت من بين علومهم العقلية والفلسفية علوم تتعلق باللغة والأصوات، فكان علم النفس اللغوي.

وفيه يكثر إلمام العلماء بحوادث النطق عند الأطفال والأمم البدائية، يستعينون بمشاهداتهم ويكونون أحكاماً على ماضي اللغات" ويتابع: "نشأ لديهم علم الاجتماع اللغوي وانضمّ إلى موكب البحث في اللغة والبيان، وجعلوا فقه اللغة علماً تدور فيه الموضوعات على حياة الألفاظ وتطوّرها وتطوّر التراكيب وانتقاء أوجه الجمال فيها ودراستها، في شتى الصور التي تتعلق باشتقاقها ومعانيها، من حيث التضاد والتوافق والتواتر وما يشبه هذا".

يؤكد الدكتور المحاسني، أن فقهاء العرب اللغويين لم يكونوا بمعزل عن علم الأصوات اللغوية، إذ عالجوا القضية الصوتية في حروفنا العربية، وتكلموا عن الحروف الأبجدية وكيف اخترعت، ثم صاروا إلى قسمتها فجعلوها أحرف حلق ولسانية وشفوية.

ويرصد المحاسني المراحل كافة، في تاريخ الدراسات اللغوية للهجات العربية عند اللغويين العرب، مشيراً إلى أنها بدأت من أوائل عصر التدوين، حين طفق علماء اللغة يضعون الفروق بين كلام القبائل، وحين تحرى العلماء اللغويون في أنساب القبائل، وما يتصل منها بالخلص الفصاح، إذ إنهم كانوا ينظرون للتأثير الجغرافي نظرة اجتماعية تتعلق باللغة.

فكانت القبائل المتطرفة موضع شك لديهم في صحة لهجاتها، حتى حصروا نقاء اللغة في أواسط الجزيرة وفي قلبها، في قبائل: قديس وقيس وأسد وتميم وهزيل وهوازن. ومن هنا نشأ القول باللغتين، والإصابة بتقبل خبرهما في اللفظ والإعراب.

يبين المؤلف أن دراسة ألفاظ بعينها، تساعد علم اللغة المقارن على الحكم بوجود الألفاظ المتقاربة والمعاني المتوافقة بين زمرة اللغات السامية، وهذه اللغات عملت عوامل لا يحصى لها عديد، كانت مرهونة بالزمن واللسان، فكونت أرواح هذه اللغات، وشبيه من يشمر لتحديد الفروق والصلات والصفات بينها، بمن يصنع ذلك لتحديد الفروق والصلات والصفات بين ثلاثة أجناس من البشر.

فاللهجات الشمالية امتزجت بالجنوبية وأخذت تكوّن لغة ذات لهجة جديدة، هي لغة العرب في العهود القريبة من الإسلام. وربما يجمل في الحكم أن نقرّ بالصراع اللغوي بين لغة الشمال ولغة الجنوب حتى ظفرت اللغة الشمالية، فابتلعت اللغة الجنوبية أو صهرتها في تعابيرها.

إنّ لغة قريش ظهرت سائدة قبيل الإسلام ولمّا نزل القرآن الكريم وأقبل العرب عليه، جعل هذا الكوكب اللغوي الأعظم يشع في كل الجهات، فعمت لغة قريش أرجاء العرب جميعاً، وجعلت تشيع في كل مظاهر التعبير فوجدناها من شرفات الشعر في الإسلام ومنسابة في لغة المحادثة ودارجة في مجالس الأدب. إذا لغة قريش تملأ الدنيا ولا تزال تملؤها. وما نتكلم نحن اليوم، إلا لغة قريش.

 المؤلف في سطور

 الدكتور زكي المحاسني(1972-1909)، باحث ولغوي سوري. ولد في دمشق. عيّن ملحقاً ثقافياً في السفارة السورية في القاهرة، ومندوباً في الجامعة العربية للشؤون الثقافية. ثم مدير دائرة التراث والمخطوطات بوزارة الثقافة. وأعدّت ابنته هذا الكتاب.. وهو عبارة عن محاضرات، كان قد هيأها والدها للطباعة.

 

 

الكتاب: فقه اللغة العربية المقارن

تأليف: الدكتور زكي المحاسني

الناشر: وزارة الثقافة المؤسسة العامّة السورية للكتاب دمشق 2012

الصفحات: 128 صفحة

القطع: الكبير