يشكل كتاب "أصنام صاحبة الجلالة" لمؤلفه جمال دملج، مرجعاً مهماً للعاملين في الميدان الإعلامي، وكذلك للمهتمّين بالشأن السياسي في المجالين العربي والدولي، نظراً لما يحتوي عليه من مادة دسمة وغنية، من شأنها إعادة الاعتبار لأسماء وقضايا ومواقف بقيت مهمّشة في تاريخنا المعاصر، ولو إلى حين.

ومن يعرف مؤلّف الكتاب عن قرب، لا بدّ له من أن يدرك، دون أيّ صعوبة تذكر، أنّه ذلك الرجل الذي يموت من أجل مبدأ لكي يحيا فيه.. أتى إلى الحياة عندما تدلّى يوماً كعنقود عنب من عرائش والديه، بعد أن تعلّم على يديهما كيف يكون في بلاط صاحبة الجلالة، أي الصحافة، حكماً حكيماً وناقلاً للحق من دون المساس به، ولو على حساب نفسه.

فكانت الحقيقة الرصاصة التي لم يحاول وقاية نفسه منها يوماً، رغم سترته الواقية من الرصاص، والتي احتلّت مكاناً في حقيبة سفره منذ حرب البلقان عام 1999، من دون أن يرتديها على الإطلاق. وتألّم كثيراً من هول ما شاهد، وحورب كثيراً لصدقية خبره وتقريره، ولكنه بقي متمسّكاً بالكلمة النزيهة والصورة الصادقة ولو كان الثمن حياة غالية.

وأصبح دملج، بفضل خبراته وممارساته العملية، شاهد عيان على جرائم القاتل الذي استباح دم الحقيقة، في لبنان وقبرص والشيشان وأفغانستان ويوغسلافيا (السابقة) والعراق، إلى أن ظفر بهذا القاتل ووقف له وقفة الندّ للندّ في "أصنام صاحبة الجلالة".

يتناول دملج في كتابه، موضوعات متنوعة، تنطلق من نشأته في بلاد الأرز ومشاهداته الجريئة حول مسؤولية سوريا في المأساة اللبنانية، مروراً بالدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأميركية في تقسيم جزيرة قبرص، وحيثيات وقوفه ضدّ الماكينة الإعلامية الغربية خلال تغطياته الميدانية لكلّ من الغارات الأميركية ـ الأطلسية على يوغسلافيا عام 1999، والحرب الروسية في الشيشان عام 2000، والحرب على الإرهاب في أفغانستان عام 2001، ثمّ في الصومال عام 2002.

وغزو العراق عام 2003، ووصولاً إلى قراءاته البراغماتية للمشهد الروسي في ضوء وصول فلاديمير بوتين إلى سدّة الحكم في الكرملين، في اليوم الأوّل من أيّام القرن الحادي والعشرين، وتوقّعاته بشأن المشهد المستقبلي العربي في ضوء "فورة ربيع العرب" التي دفعته إلى اعتزال العمل الصحفي منذ مطلع عام 2011، احتجاجاً على عدم نزاهة الإعلام العربي في التعاطي مع هذه الفورة.

يقدّم المؤلف في كتابه، عصارة تجربة مهنية غنيّة، أجاد خلالها في عمله، وتنقل أثناءها بين أرجاء العالم، بحثاً عن الحقيقة، وفي كلّ مرّة يكاد أن يصل فيها، كان يرى الحقيقة مقتولة على يد جان استفاد من ماكينة إعلامية خبيثة، برعت في مجال تحويل الجلاد إلى ضحية، والضحية إلى جلاد.

ولم يتوقف عن محاولته، في أي من المهام والمسؤوليات التي تولاها، لتأسيس ماكينة إعلامية عربية نزيهة تخرج عن فلك سياسات الماكينة الإعلامية الغربية.. ولو إلى حين، بغية التأكيد على شراسة دور المنظومة الإعلامية الغربية في مجال تزييف الحقائق وقلب الموازين في العالم، وذلك كلّه انطلاقاً من إيمانه الراسخ والعميق بأنّ الصحفي، وفقاً لما قاله ألبير كامو، هو مؤرّخ اللحظة، ويفترض أن يكتب تاريخاً نظيفاً.

 

 

 

 

المؤلف في سطور

 

جمال دملج. صحافي لبناني. بدأ حياته المهنية منذ العام 1977، عندما عمل مراسلاً في صحيفة السفير اللبنانية، قبل أن يهاجر من بلاد الأرز(لبنان)، في رحلة اغتراب استمرّت على مدى اثنتين وثلاثين سنة من عمره.

عمل بصفة مراسل ميداني متجوّل لدى مؤسسات كبرى، مثل: "إم بي سي" و"بي بي سي" و"الجزيرة" و"أبوظبي" و"العربية"، قبل أن يترأس إدارة الأخبار في كلّ من: "قناة صانعو القرار"، "تلفزيون أورينت".