يرى كتاب "حديث الممانعة والحرية"، لمؤلفه بدر الإبراهيم، أن اللحظة الراهنة في العالم العربي، مناسبة لطرح كل الأسئلة الممكنة في ظل التطلع الشعبي للنهوض والتقدم، بعد ركود وتراجع طويلين، على كافة الصعد، ملمحاً أنه يأتي سؤال الممانعة والحرية، كأحد الأسئلة المهمة والملحة في آن معاً، على ساحة الفكر والممارسة العربيين.
ويشير المؤلف إلى وجود أنواع مختلفة من الممانعة: ممانعة ثقافية / فكرية للحداثة، ممانعة سياسية للديموقراطية، ممانعة اقتصادية لمشروعات الخصخصة. كما يبين أن الممانعة ليست حكرا على الطرف الممانع في معادلات الصراع الفكري والثقافي والسياسي، فالطرف المناصر لفكرة ما هو الممانع بالضرورة لنقيضها، والأطراف الممانعة في مجال ما لا تتوقف ممانعتها على هذا المجال، فهي ربما تمانع في حقول أخرى. ويشدد الابراهيم على أن فكرة الممانعة والمقاومة اكتسبت اهمية كبيرة في العقد الاول من القرن الحالي، وهي تكتسب مع بداية العقد الثاني من هذا القرن، أهمية أخرى، بعد مواجهة المقاومة في العالم العربي المشروع الأميركي الذي كان يقضي في إعادة رسم خريطة الشرق الاوسط، أو ما أطلق عليه المحافظون الجدد: (الشرق الأوسط الجديد)، وبعد إسقاطه إلى حد كبير، تبرز إرادة جديدة للشعوب العربية، عبر ثوراتها التي أسقطت الحكام المستبدين، تترسخ في صلب إجراء عمليات تغيير كبيرة ضمن أنماط الحكم والعلاقة بين الدولة والمجتمع المدني.
ويتناول المؤلف الممانعة باعتبارها ضرورة للاستقلال، ذاك كونها سبيل تحقيق ومواجهة الأطماع الخارجية، كما أنها ضرورة للنهوض، رغم استغلالها شعاريا من قبل البعض، في تبرير القمع وشرعنته، وكذا رغم محاولة آخرين، الربط بينها وبين ممانعة الحداثة والتطوير والتنمية والحريات، ويؤكد الابراهيم هنا، ضرورة وجود تلازم بين التحرر من الهيمنة الخارجية والتحرر من القمع الداخلي والديكتاتورية، موضحا أن قوى الممانعة العربية رفضت الاعتراف أو الالتزام بالديموقراطية. وأعلنت معاداتها لها بالممارسات القمعية، والأنظمة التي تشدقت بفلسطين بالحق والباطل، حسب المؤلف، كانت عسكرية قمعية، وعادت المسألة الديموقراطية. ويشير المؤلف الى اهتزاز وارتباك نظرية المؤامرة، التي أكثر أهل الممانعة وخطاب المقاومة الاعلامي، الترويج لها. ويلحظ المؤلف غيابا واضحا للمشروعات السياسية في حركة أطراف الممانعة العربية.
ولا ينسى المؤلف، أيضا، الحديث عن قوى الواقعية والاعتدال في العالم العربي، فيقول: إن خطاب الواقعية استند على عدم مواجهة الاستعمار والاحتلال، وأن أطيافا من الواقعيين تختلف درجة "واقعيتها "، لكنها تبني خطابها على التسليم بالعجز عن مواجهة اسرائيل والقوى الغربية.
يشير الابراهيم إلى أن دخول الشعوب العربية معركة الاستقلال الثاني (الربيع العربي)، ضد الأنظمة الاستبدادية، يماثل معركتها مع الاستعمار، مشددا على ضرورة الربط الموضوعي، بين حرية الدول والمجتمعات وحرية الأفراد، فلا يمكن للممانعة أن تنجح بشكل مفصول عن الإيمان والعمل على الديموقراطية والتنمية للشعوب، لأن مقومات الصمود في معركة الممانعة تتطلب إفساح المجال للشعوب لممارسة حرياتها وعدم المس بكرامتها وإنسانيتها، بعيدا عن الشعارية الفارغة من المضمون الحقيقي للممانعة، طبقا لما يقول المؤلف.
المؤلف في سطور
بدر الابراهيم. كاتب وطبيب سعودي، يعنى بالدراسات الاجتماعية والسياسية، صدر له: رواية "حياة مؤجلة "، الحراك الشيعي في السعودية.. تسييس المذهب ومذهبة السياسة.
