يجمل كتاب "التراث الثقافي غير المادي لمدينة حلب في العصور الإسلامية"، لمجموعة من الباحثين، ضمن الندوة العلمية المتخصصة، التفاصيل التي شكلت هذا التراث، سواء في التراث المعماري المتنوّع للمدينة، أم في الأزياء والمعتقدات الشعبية واللهجات.
وكان للأبحاث والدراسات الموسيقية حضور كبير، تقدمها بحث محمد قجة عن " التصوّف والموسيقى". وفي بحث موسيقي آخر قدم الدكتور محمد مصري " الموشحات الحلبية وعمر البطش".فعرف الموشح وذكر أعلامه. كما قدم أحمد بوبس تعريفاً لفنون الغناء في حلب، وأرّخ لها.
إ قال : " اشتهرت حلب بالقدود والموشحات وفاصل اسق العطاش ". وأيضا قدّم محمود مسعود خياطة، الإنشاد الديني في الزوايا الحلبية، وتحدّث حديث العارف بتفاصيل عمله الدقيقة ويومياته في الزوايا الصوفية في مدينة حلب. كذلك درس محمد قدري دلال، أسلوب الحاج صبري مدلل في الغناء .
وأوضحت الابحاث في الندوة- الكتاب، أن " طقوس الأعراس " شكلت تكثيفاً للبعد الاجتماعي، فكانت جزءاً طبيعياً من التراث غير المادي. وتطرقت الى ذلك الدكتوره كارين صادر، متحدثة عن زغاريد الأعراس في بلاد الشام وحلب. وأيضا عرضت سهى شويحنة لماهية " جهاز العروس الحلبية ".
وعن خصائص التميّز في المطبخ الحلبي،ذكر حسان خوجة لمحات جميلة، فتطرق إلى أسباب اهتمام المجتمع الحلبي بالطعام وطهيه وأصنافه، وسبب التنوع الكبير في هذه الأصناف.
وضمن المحور ذاته، القى الدكتور محمد زياد محبك محاضرة طريفة وشديدة التخصص، عن أصناف الطعام الحلبي وطريقة تحضيره. وتطرق محمود فاخوري الى " الألبسة عند سكان حلب قديماً ". وفي المقابل، انفردت الدكتوره صافية زفنكي بموضوع بحثها: " اللهجات العامية وشرعيتها اللغوية والتراثية من خلال موسعة حلب المقارنة " .
وعرض الأب جوزيف شابو، صورة التقاليد الشعبية في حلب : " برع الحلبيون عبر التاريخ، بحبهم للحياة والشعر والطرب، وحبّهم للأبنية الرائعة والبيوت الجميلة التي حوت فيها أشجار الليمون والكباد وأحواض الماء ذات النوافير . وكان مسار الحياة اليومية عندهم متميزاً.
فيبدأ اليوم مع صيحات المؤذن لصلاة الصبح ، وتنفرج الدور عن سكانها الذكور، وتدب الحياة في الخانات المجاورة، وتصل ساحة الحي القوافل والدواب المحملة بالبضائع والسلع المختلفة، ومع طلوع الشمس تفتح الحوانيت أبوابها، وتدب في الدور حركة أخرى تتجلّى في تحضير الطعام للأسرة، وفي المساء تغسل ربة البيت أرض الحوش وتهيّئ المصطبة أو الليوان للجلوس، وبعد الانتهاء من العشاء تدب الحياة مرّة أخرى بتنقل العائلات بين الدور المختلفة لقضاء السهرة عند الأقرباء والأصدقاء، وهي سهرات عامرة بالحكايات والألعاب والأغاني والموشحات والقدود الحلبية .
ثم تناول عبد الكريم رجب، أثر البيئة في الحركة الموسيقية في حلب، مشيرا فيها الى أن البيئة الحلبية أثرت بعناصرها المختلفة على الحركة الموسيقية، وربمّا كان من أهمّ هذه العناصر البيئية، الطبيعية والاجتماعية..
وكذا أدّت الكوارث الطبيعية في حلب إلى اضطراب حياة الناس، ممّا أفرز هرب الناس من واقعهم إلى الزوايا والتكايا الصوفية التي تعتمد على المقامات الموسيقية العربية، كمقام الرست والسيكاه والبيات والصبا والحجاز، لأنها مقامات توحي بالروحانية والتسليم .
كذلك تردد هذه الأناشيد والموشحات في الاحتفالات بالمولد النبوي وبمواسم الحج وقوافله ممّا يضفي على الحج طابعاً محبباً مثيراً، من شأنه إغناء الحركة الموسيقية في حلب .
