يمثل كتاب «الليبرالية الجديدة»، لمؤلفه الدكتور عبدالله الغذامي، تحليلاً ونقداً معمقين، يرميان إلى قراءة مسار النظريات والمقولات الأساسية في النظام المعرفي والأخلاقي البشري، في العدالة والحرية والمساواة والتعددية الثقافية، ذلك في مضمون مرحلة، من الواضح أنها «ما بعد العولمة». إذ تبرز فيها مقولتا ومفهوما «الوسطية والليبرالية».

أسئلة عدة يحاول الغذامي الإجابة عنها، منقباً حول الأسس التي تقوم عليها الليبرالية الجديدة،وغيرها. ويصف عمله، أنه سياحة تشريحية نقدية لقراءة مسار النظريات والمقولات الأساسية في النظام المعرفي والأخلاقي البشري، في العدالة والحرية والمساواة والتعددية الثقافية، في مرحلة يطلق عليها تسمية ما بعد العولمة.

تتوزع مباحث الكتاب على خمسة محاور، يتناول المؤلف في الأول منها، مفهوم العولمة بوصفه مصطلحاً مثيراً وحمّالاً لمنظومة من الدلالات السلبية في معظمها.

ذلك بعد أن وجد فيه السياسيون والاقتصاديون ما يتجاوز لحظة انتصار الرأسمالية والليبرالية إلى نهاية الأشكال الثقافي البشري في سؤال البشرية عن النموذج والرمزية. ويرصد الغذامي في البداية، لحظات التوحش القصوى للعولمة، مبيناً أنها مشروع يسعى لحصر الكون البشري تحت مظلة الوهم المعنوي..

وعلى ضوء ذلك، يرى أن مفهوم فوكوياما حول ذروة التاريخ، جعل مفهوم العولمة أميركياً، يتحول في عهد المحافظين الجدد، إلى عقيدة سياسية واقتصادية تستوجب أن تأخذ أميركا فيها دور الأم الأسطورية للعالم المشكل جغرافياً وثقافياً، في حين التقطت أوروبا طرف الخيط العولمي، محاولة إدخاله في مسار عقلاني من خلال تقوية الاتحاد الأوربي.

فكان اليورو هو الصيغة الأهم لعولمة الاتحاد الأوربي الذي صنع رمزية المعنى العولمي الجديد لأوروبا المندمجة، بينما كان على المستوى الرمزي، من خلال البياض، يشير إلى غياب الذاكرة.

ويذهب الغذامي إلى أن حالة الدمج العولمي قابلها سخط شعبي، وأن الخلاصة الثقافية الكونية للمآل النهائي للعولمة، اتخذت أشكالاً ثلاثة: الاحتقان البيئي الذي يبعث على القلق النفسي والعقلي في كل مناحي الحياة، الاحتقان الاقتصادي، الاحتقان الأخلاقي.

وفي محور الليبرالية الموشومة، يقف المؤلف على التصور الأولي لمعنى الوسطية، بوصفه صيغة ظرفية تستجيب لشرط الواقع التداولي ومتغيراته اليومية، التي تتميز بطابعها السريع والمفاجئ والمتلون، وفقاً لزمان ثقافة الصورة ومنظومة صفاتها التي تتسم بالتحول السريع والمباشر والحيوي.

فالوسطية كما يراها المؤلف، نظرية في العدالة، في حين لا يمكن الوقوف على صيغ الليبرالية فكرياً وسياسياً، من دون الوقوف على عمقها الفلسفي : حرية التفكير وحرية التعبير.

وقبل أن يبدأ بمناقشة الوشم الثقافي، يوضح أن معنى مصطلح الوشم الذي يعني في الألسنة الحديثة، أي كلمة مر على استخدامها حالات من السلب لا يمكنها التخلص من مغباته. ثم يطرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية المتعلقة بمن يحدد الحرية ومستحقيها.

 ويعود إلى عرض مقولات الفلاسفة الغربيين حول المأزق المعرفي الذي وقعت فيه الحرية، منذ جعلت منها الليبرالية أساساً لها، مبيناً أن مرحلة التحول من العصر الذهبي للحرية إلى العصر النحاسي، تبدأ عندما يحدث النقض الأكبر لمعنى الحرية، من خلال تمسك كل فرد بحقه الخاص به، وبنصيبه الذاتي من الحرية.

 

 

 

المؤلف في سطور

 

الدكتور عبدالله الغذامي. ناقد وباحث وأكاديمي سعودي. صدرت له كتب عدة، في النقد الأدبي والدراسات الفكرية، منها: الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية، اليد واللسان: القراءة والأمية ورأسمالية الثقافة.