يبحث كتاب «الثورات العربية في ظل الدين ورأس المال»، لمؤلفه راضي شحادة، في القضايا الاجتماعية والاقتصادية العامة، وارتباطاتها بتطور أو تغير المجتمعات. ويعيد المؤلف بعض أسباب نجاح الولايات المتحدة في القضاء على الاتحاد السوفييتي، إلى لجوئها لتكتيل الأديان. فكتَّلت المسيحيين والمسلمين بحجة محاربة الملحدين والفاسقين.
وهكذا أنفقت في أفغانستان مليارات الدولارات لمصلحة الأصوليات الإسلامية ولجنودها وطواقمها وحلفائها. وظنَّ الإسلاميون أنَّهم سيقضون على الاتحاد السوفييتي ثمَّ على الأميركان، بانتهاجهم فكر بن لادن. وفي المقابل، أثبت الأميركيون أنهم أكثر دهاءً، لأنَّهم يؤمنون أنَّه مادام المسلمون ينتهجون فكر ابن تيمية، وليس فكر ابن رشد، حسب المؤلف، فالغلبة لهم. ذلك لأنَّهم متطورون أكثر ويُعملِون العقل، بينما هم متَّكلون على الله. فيخسرون الدنيا ويربحون ما ليس مؤكَّداً من ربحٍ في الآخرة.
يبين المؤلف أن استبعاد فكر ابن تيمية والغزالي الأصوليين، منذ القرن الحادي عشر، واستعادة فكر ابن رشد والفارابي وابن سينا وابن الهيثم، الضمانة للحاق بمن لا يعادون الدين الإيماني. ولكنَّهم يضعونه في مكانه الصحيح. وما دام فكر ابن تيمية هو السائد، فاللحاق بركب الحضارة سيطول أكثر.
يشرح شحادة أن الدين كمعتقد يؤدي إلى أصولية دينية، والأصولية الدينية تخدِّر رجل الشارع، بينما الدين كإيمان وعلاقة عمودية سامية وروحانية فردية، متاح. ولا يمثل خطراً على الشعب. وعندما يدَّعي المتديِّنون أنَّهم يعظون للأخلاق، يقول لهم المدنيون: ونحن كذلك.
فدعونا نأخذ من الدين ماهو أخلاقي ونضيفه إلى أخلاقياتنا المتراكمة عبر تجاربنا في التاريخ، ونضعه في دستور الدولة، فلماذا نجتر ماهو جامد ونبقيه تحت سلطة الدين الذي هو سلطة لجزء من الشعب، ما دامت الدولة التابعة لكل الشعب تستطيع استيعابه في دستورها وتشريعاتها؟
إنَّ أخطر ما في الدين، كما يرى المؤلف، عملية تسييسه. والأخطر في نتائج الثورات العربية، أن تتحوَّل إلى ثورات تشرِّع الدين دستوراً لها، بدلاً من الوصول إلى صيغة دستورية تعبِّر عن مستوى حكم ديمقراطي أهم ما فيه فصل الدين عن الدولة، وإعطاء الناس حرية العقيدة. ومنعهم من الوصول إلى الحكم عن طريق الأحزاب الدينية، والسعي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وحق المواطنة الذي يساوي بين المواطنين، مهما كانت أجناسهم وأعراقهم ودياناتهم وعقائدهم ولا دينيتهم.
يخلص شحادة إلى أن مستغلي الدين الإسلامي حولُّوه من دينٍ يرفض الإكراه، بل من دينٍ ينتهج النهي والموعظة الحسنة، إلى دين يشارك محتكروه في السلطة ويطالبون بتبوئها. وفي الصدد، يلفت المؤلف إلى أنه تحاول الثورات العربية أن تتلمَّس طريقها نحو التغيير والتحرر والاستقلال.
لكن إمبراطورية رأس المال العظمى لن تتركها تسرح وتمرح كما تشاء، تتدخَّل رأساً كي تجيِّرها لمصلحة منظومتها السائدة.. وعليه، فإن الثورات العربية تبدو إصلاحية. ولكن: هل ستستطيع انتهاج الإصلاح بحرية، بمعزل عن التدخل الإمبراطوري المفرط في التغوُّل والتوغُّل والهيمنة؟ إن هذا، حسب المؤلف، ما لم يتَّضح حتى الآن. فالشطارة أن تنتقل من مرحلة إسقاط النظام السابق إلى تسييد نظام الدولة ونظام المؤسَّسات.
المؤلف في سطور
راضي شحادة كاتب ومسرحي فلسطيني أسَّس «مسرح البلد» سنة 1973، كما أسَّس «مسرح الحكواتي الفلسطيني» في القدس المحتلة، وأسَّس أيضاً «مسرح السيرة»، وصدر له «الجراد يحب البطيخ» و«الغشوة»، وهما روايتان، إضافة إلى العديد من الدراسات والأبحاث عن المسرح.
الكتاب: الثورات العربية في ظل الدين ورأس المال
تأليف: راضي شحادة
الناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر بيروت 2012
الصفحات: 193 صفحة
القطع: الكبير
