يحاول كتاب «واقع ومستقبل الاقتصاد الخليجي»، لمؤلفه عبد الحفيظ محبوب، إجراء تقييم عام لاقتصاد دول الخليج العربي، ودراسة السمات العامة له، إلى جانب التحديات التي تواجهه، حاليا، ذلك في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. فالكتاب يشخص المشكلات الكبرى. ويناقش العيوب والهفوات التي يعاني منها الاقتصاد الخليجي، بشكل علمي وموضوعي، بعيداً عن الأمنيات وجلد الذات. إذ إن المؤلف يعتقد أن الوضع الاقتصادي لا يناقش بعيداً عن الأوضاع الأمنية والسياسية والتدخلات العالمية، وكذا الإشكالات الكبرى التي تواجه البشرية وهي على عتبة الألفية الثالثة.

يوضح محبوب أن المسيرة الاقتصادية للدول الخليجية خلال السنوات القليلة الماضية، لم تكن على ما يرام. إذ طال عمر مجلس التعاون الخارجي، من دون أن تنضج التجربة، ومن غير مردود كبير، إذا ما قورن بالاتحادات الأوروبية والآسيوية المماثلة. أما المشكلة الكبرى الأكثر إلحاحاً، فهي محدودية نتائج تنويع الهيكل الاقتصادي، جراء تزايد عولمتها على حساب أقلمتها.

وكذا عدم قدرة الاقتصاد الخليجي على تحقيق نوع من التكامل، الأمر الذي أدى إلى انتشار البطالة وانخفاض مستويات دخل الفرد في دول مجلس التعاون الخليجي، بشكل أكبر منه في دول جنوب وشرق آسيا. فالمستقبل كما يؤكد محبوب، ستهيمن عليه التكتلات التجارية والاتفاقات الثنائية، الأمر الذي يوجب على دول مجلس التعاون المزاوجة بين الأهداف السياسية والأمنية والاقتصادية، في إطار سياق منطقي متوازن يدعم مسار التكامل، ويحل محل رواج تجارة التهديدات والمخاطر.

أما على المستوى الداخلي، فيؤكد المؤلف على ضرورة القيام بالمشاريع المشتركة، والتطوير التقني، بغرض مواجهة تحديات المنافسة العالمية. واما بالنسبة للحكومات، فيرى أنه لا بد من أن تتوقف عن احتكارها حق الاستثمار في قطاع البتروكيماويات الأساسية. وأنه، أيضا، كان هناك بعض الاستثناءات.

فالمشاريع المشتركة الموجودة لم تقم بناءً على قرارات استراتيجة. أما المطلوب فهو تسريع خطوات التكامل الاقتصادي الخليجي، وأن تكون نابعة من ما يقدمه الشركاء من قيمة مضافة للمشاريع للمساعدة على تعزيز التنافسية، واستمرارها على المدى الطويل.

يلح المؤلف على ضرورة الانتقال من العقلية الريعية إلى العقلية الاقتصادية. وهذا الأمر لا يجده يتحقق إلا عبر تهيئة بيئة استثمارية جديدة، وعدم الاكتفاء باستهلاك الدخل الريعي القادم من البترول. وهنا يأتي دور الدولة الفاعل لتشجيع «روح المبادرة»، بهدف تأسيس المشاريع التنافسية في إصدار القوانين المنظمة ومراقبة التجاوزات ومنع الاحتكار، والتخفيف من خدمات القطاع العام، منخفضة الأسعار.

وفي تقييمه لمستقبل الاستثمار في دول مجلس التعاون، يبين محبوب أن الأزمة المالية العالمية الأخيرة، لم تتسبب في إعاقة وإحباط المسار الصاعد لاقتصادات السوق الناشئة فحسب، بل إنها عملت على تسريعه. فالأسواق الناشئة خرجت من الأزمة متمتعة باحترام كبير. وهي تشكل الآن ثلث الناتج القوي الإجمالي العالمي، من دون أن يعني ذلك، عدم انتباه القائمين على اقتصاد دول المجلس إلى أن المستثمرين انتقائيين، وضرورة الحذر من الطابع المضاربي لبعض الاستثمارات.

أما المخرج الآخر الذي يقترحه المؤلف لتنشيط اقتصاديات مجلس التعاون، فهو «النمو المدفوع بالمعرفة». فاليوم رأس المال الفكري أكثر أهمية من رأس المال المالي، لأن الموارد الطبيعية محدودة، في حين أن القدرات العقلية والاكتشافية غير محدودة، وعند الاعتماد على الرأسمال الفكري يمكن أن نصل إلى «تنمية مستدامة» على أرض الواقع. فاليوم لابد من التركيز على ثقافة الابتكار، والعمل على خلق ثقافة الاكتشاف، والتركيز على تطوير أنظمة التربية والتعليم، من أجل إيجاد ثقافة لا تخشى المخاطر، وتعطي روح المبادرة أهمية كبرى.

ويشدد المؤلف أنه على دول المجلس الاهتمام بالبعد الاجتماعي للأسواق، والاهتمام بالبشر ومشكلاتهم الصحية والزراعية والصناعية، ومساعدتهم على تكوين ثرواتهم الخاصة، وتوفير الأمن الغذائي والمائي والسكني لهم.

وفي خصوص الحلول التي يقترحها الباحث لتلك المشكلات، فمنها: إنشاء شركات عقارية مساهمة على مستوى دول مجلس التعاون، والتوجه نحو إقامة القرى الذكية، اتباع سياسات زراعية ناضجة، إتاحة الفرصة للمرأة الخليجية على قدم المساواة بالشباب، وتدشين اقتصاد السوق الاجتماعية.

 المؤلف في سطور

الدكتور عبد الحفيظ محبوب. باحث وكاتب سعودي. رئيس قسم العلوم الاجتماعية في كلية المعلمين في مكة المكرمة. يحمل شهادة الدكتوراه في الجغرافية الاقتصادية. لديه عدد كبير من البحوث والمقالات والكتب، منها : العالم الإسلامي ــ التحديات وعالم النهوض.

 

الكتاب: نواقع ومستقبل الاقتصاد الخليجي

تأليف: عبد الحفيظ محبوب

الناشر: دار ناشري للنشر الإلكتروني ـ الكويت 2012

الصفحات: 298 صفحة

القطع: الكبير