يتوقف كتاب «السُّهرُوَردِي.. مؤسّس الحكمة الإشراقيّة»، لمؤلفه عبد الفتّاح قلعه جي عند حياة السّهروردي، وعصره وشيوخه وتلامذته ومؤلفاته وفلسفته، إضافة إلى علاقته بحلب، ومقتله فيها. وكذا مكانته في الوجدان الشعبي.
يرى مؤلف الكتاب، أن السهروردي (1155ـ1191م)، عاش في عصر مضطرب تصارعت فيه تيارات فكرية وسياسية متناقضة، على خلفية الاحتلال الأوروبي الصليبي لأجزاء من الشرق العربي الإسلامي، ومواجهة الخطر المغولي المحدق. وترك ذاك العصر أثره في شخصيته القلقة المتوترة أيضاً.
وعُرِفَ عنه أنه كان أديبا شاعراً، أوحد زمانه في علم الحكمة، عارفاً بالتصوّف، ماهراً في أصول الفقه، مفرط الذكاء، عجيب القريحة. لا يحفل بالمال والثياب، سريع البديهة، فصيح البيان، جريئاً في الإفصاح عن أفكاره ومعتقداته إلى حدّ التهوّر! ارتحل على قدميه متجرّداً زاهداً، من أصفهان إلى بغداد. ثم إلى ديار بكر وميافارقين وصولاً إلى حلب، التي استقرّ فيها نحو سبع سنوات حتى مقتله، ودفنه في الجهة الغربية من المسجد الذي يعرف باسمه اليوم، الواقع في مدخل بوّابة القصب في حيّ الجديدة.
وفي عرض المؤلف لفلسفة السهروردي الإشراقيّة، عبر كتبه الخمسين، يشير إلى أساسها الأوّل الذي يتمثّل في: «أن الله نور الأنوار، ومصدر جميع الكائنات وهو عماد العالم المادّي والرّوحي». وإلى أن هذه الفلسفة تتلخص في أن الإنسان لا يستطيع الوصول إلى الحقائق والمعارف بالبحث النظري وحده، بل لا بدّ أن يصاحب البحث النظري، تأمّلٌ روحيٌّ ليصل إلى حقائق العلم وتنفجر في قلبه أنوار المعرفة. وتكشف كتب السهروردي عن انفتاحه انفتاحاً فاعلاً على الفكر الغربي، لا منفعلاً أو مقلّدا تقليداً أعمى.
إذ تبنّى المنطق الصوري الأرسطي، لكنه أنزل المقولات العشر لمنطق أرسطو إلى أربع، ثم جعل من المنطق الصوري سلّما صاعداً إلى عالم الإشراق في منظومة فكرية واحدة، منسجمة، تعدّ من أروع أعماله الفكريّة.
كما قرّب الملك الظاهر غازي، السهروردي إليه. ذلك بعد أن ذاع صيته. فأكرمه واصطفاه واصطحبه إلى قلعة حلب، من دون سواه. فأثار بذلك حسد العلماء ونقمتهم. وزاد ذلك بدخوله في مناظرات معهم وظهوره عليهم. فتعصّبوا عليه وأفتوا في دمه، متهمين إياه بانحلال العقيدة والتعطيل، واعتقاده مذهب الحكماء المتقدّمين.
وكان من أشد هؤلاء عليه، الشيخان: زين الدين، ومجد الدين. وهما من أبناء جهبل. ولما لم يصغِ الظاهر غازي إلى اتهاماتهم، راسلوا والده الناصر صلاح الدين الأيوبي. فأوغروا صدره وألّبوه عليه وحذّروه من خطره على عقائد الناس والدّولة! فكان ما كان من نهاية السهروردي المأساوية، بسبب تلك الوشايات به. إلا أن الملك الظاهر غازي ظلّ على حبّه وإعجابه بالسهروردي بعد وفاته، وثأر له بعد مدة. فنقم على الذين أفتوا في دمه وقبض على جماعة منهم واعتقلهم وأخذ منهم أموالاً عظيمة، وعدّ ذلك من كرامات الشهيد السّهروردي!
ويشير المؤلف إلى أنه للسهـروردي مكانتــه الخاصــة عند القدماء والمحدثين. إذ قال فيه الآمدي: «اجتمعت به فرأيت علمه أكبر من عقله». وقال فيه مؤرخ حلب الشيخ راغب الطبّاخ في كتابه «إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء»: «إن من تأمّل في أدعية هذا الرّجل وكلامه هنا، وفي كتابه هياكل النور ونظمه الذي أوردناه، خصوصاً الأبيات التي أنشدها عند مماته، يُستدّل على أنه كان رجلاً من أعاظم الرّجال الذين سمت إلى العلياء نفوسهم، وزهدوا في هذه الحياة الفانية. وتيقّنوا أنها عرض. ووجّهوا قلوبهم إلى الله تعالى...».
كما له مكانته أيضاً في الوجدان الشعبي الحلبي، فعامة الناس يزورون ضريحه حتى اليوم، ويتبركون به. ويقول عنه المسنّون:
«إنه رابع ثلاثة جمعوا علوم الأرض وكُشِفت لهم الحجب، وهم الحلاّج والنّسيمي والسلاّخ. فقد دخلوا قبّة دانيال وأغلقت عليهم فقرؤوا ما على جدرانها من علوم ومعارف وغيبيّات وأسرار مكتوبة على جدرانها، ولما ظهرت وفتحت في العام التالي خرجوا بما لم يؤته أحد من علم!».
ويوضح المؤلف أنه لم تتوقف مكانته على أهل حلب، إذ اهتم الأوروبيون بدراسته والتحقيق في حياته وفلسفته، أكثر من العرب ومن الإيرانيين أنفسهم! .
وفي تقويمه لمؤلفات السهروردي، يثمّن المؤلف تلك الأعمال، ويرى فيها تأكيداً لوحدة الحضارة الإسلاميّة.
المؤلف في سطور
عبد الفتّاح قلعه جي. كاتب ومسرحي سوري. ولد في حلب عام 1938. لديه نحو 35 كتاباً في حقول الفكر والمسرح وتراجم الأعلام والرواية وقصص الأطفال، ومنها: علم الجمال الإسلامي، رواية معراج الطير، مسرحية (عرس حلبي).
الكتاب: السهروردي.. مؤسس الحكمة الإشراقيّة
تأليف: عبد الفتّاح قلعه جي
الناشر: للكتاب، دمشق 2013
الصفحات: 136 صفحة
القطع: المتوسّط

