يركز كتاب «ضفائر شهرزاد الوظائف في مِئة ليلة وليلة»، للمغربيّ الدكتور محمّد تنفو، على البحث في «مئة ليلة وليلة». ويشير المؤلف إلى أن منبع إيلائه الكتاب أهمية موسعة في التناول والدراسة، ندرة الأبحاث التي خصّته بالتشريح والتحليل.
يعتمد تنفو على ما أثبته الباحث محمود طرشونة، في دراسته، حول بقاء هذه الذخيرة المغاربية، المغمورة والمخطوطة، قروناً عدة، إلى أن اكتشفها المستشرق الفرنسيّ كودفري ديمومبين، ونشرها للمرّة الأولى، بالفرنسيّة، سنة 1911. ويشير إلى آراء بعض الباحثين الذين أرجعوا أصل "ألف ليلة وليلة"، إلى الكتاب المغاربيّ "مِئة ليلة وليلة"، ومنهم : سهير القلماوي، أثناء حديثها عن ذلك. كما يستعيد آراء عدد من الباحثين العرب والمستشرقين، حول خضوع" ألف ليلة وليلة" للتحوير، ووجوب الاعتراف بالمرجع الأساسيّ الذي يشكّله "مئة ليلة وليلة".
يسعى تنفو في بحثه، إلى إعادة الاعتبار إلى هذا المتن الحكائيّ المغمور وغير الممهور، الذي لم ينل ما يستحقّه من العناية والاهتمام مقارنة بـ"ألف ليلة وليلة"، الذي استأثر باهتمام كبير من جانب باحثين عرب وأجانب. وتبعاً لذلك، يقول إنّه حاول الانخراط في مشروع يسعى إلى أن يكون متكاملاً، إذ يعمل على استخلاص الوظائف في مادّة الكتاب وطرق انتظامها. ويذكر أنّ ملامسة الوظائف في "مائة ليلة وليلة"، اقتضى منه تقسيم كتابه إلى ثلاثة فصول، يرتّبها حسب سياقٍ للفهم، يجده الأفضل.
يعتني المؤلف في انطلاقة بحثه، بوظائف مركزيّة قابلة للتمفصل إلى وظائف أساسيّة مترابطة ومتعالقة في ما بينها، بخصوص الموضوع المطروق، إذ لا يمكن تحقّق أيّة وظيفة من دون الأخرى. وهكذا يخصّص الفصل الأوّل لرصد الوظائف المركزيّة في الحكاية وتحديد العلاقات بينها. ويتناول في الفصل الثاني الوظائف الأساسيّة في الحكاية الإطار وفي الأحاديث، وأيضاً علاقة هذه الوظائف بموجبات الفعل، من إرادة وواجب وقدرة ومعرفة، ثمّ التحوّلات التي تطرأ على الوظيفة المركزيّة في علاقتها بالوظيفة الأساسيّة:
الإنجاز. ويتطرق في الفصل الثالث، إلى الوظائف البنيويّة والوظائف الفرعيّة والبنيويّة الجزئيّة والجزئيّة الفرعيّة، ويبين ما تطلّب منه العمل من تقسيم بعض الأحاديث إلى مقاطع، ليشكّل كلّ مقطع حكاية تكون مستقلّة عن بقية المقاطع، أو متّصلة بالنصّ الحكائيّ برمّته.
يصدّر تنفو كتابه بتقديم نظريّ، يتناول فيه غالبيّة التصوّرات والقضايا والإشكالات التي طرحتها أهمّ الأبحاث الغربيّة بصدد مقولة الوظائف، وينطلق من اتّكائه إلى رؤى فلاديمر بروب، الذي أسّس للوظائف، ثمّ تصوّرات تزفيتان تودورف ورولان بارت وبريمون، وغيرهم ممّن طوّروا أبحاث الوظائف وأضافوا إليها.
كما يذكر تحفّظات بعض المفكّرين على تلك الرؤى. ومنهم: كليفي شتراوس الذي انتقدها في جوانب عديدة، وبخاصّة ما أشار إليه من انقسام بروب بين تصوّره الشكلانيّ ووسواس التفسيرات التاريخيّة، والوهم الذاتيّ، ويؤكّد أنّ شتراوس دعا إلى إدماج الشكل في المضمون. ويعتمد الباحث كذلك في دراسته المقارنة للكتابين، على الشواهد النصّية من غير لجوء إلى الاختصار، إلّا عند الضرورة. ويبرّر ذلك أنّه يعتري التلخيص اختلافات تؤدّي إلى نتائج مخالفة.
ينطلق الباحث من مقولة أنّ المتن الحكائيّ يتألّف من حكاية إطار موسومة بـ«حكاية الملك دارم وشهرزاد»، وسبعة عشر حديثاً، تحمل عناوين مختلفة، تكون الحكاية الإطار موجّهة من فهراس إلى ملك، ولا تنتهي إلّا بانتهاء الأحاديث، ونهايتها تذكّر ببدايتها، وشهرزاد تحكي الأحاديث للملك دارم. حيث في الليلة الواحدة ينتهي حديث ليبدأ آخر تالياً.
ولا يحدث التأجيل إلّا في لحظات معيّنة من الحكي، ويرى أنّ ذلك كان طريقة شهرزاد التي مكّنته من تأجيل القتل، لأنّها تعلم علم اليقين، أنّ إطالة الحكي يعني تأجيل قرار القتل، ويعتقد أنّها إحدى الوظائف التي يزخر بها الكتاب، ويجد أنه من الضروري إماطة اللثام عن وظائف أخرى ينطوي عليها المتن الحكائيّ. يفصّل الباحث في تتبّع الحكايات والأحاديث.
ويحاول سبر أغوارها وفكّ ألغازها وتعالقاتها، مقتفياً أثر الشخصيّات والحكايات معاً، ويعتقد أنّ الشخصيّات لا تتمكّن من إنجاز الوظيفة المركزيّة المرتبطة بالبرنامج الحكائيّ الأصليّ أحياناً، لتنجز وظائف أخرى غير معلن عنها، تميّزه وتسهم في خلق غنى وتنوّع دلاليّين، وتفتح الحكي على مسارات غير متوقّعة وعلى نهايات غير مُحتملة.
ويؤكّد المؤلف فرضيّة تمتّع الراوي بوعي كبير بفعل الحكي، عبر تنويعه في طرائق التقديم، واعتماد التضمين وإثارة التشويق، عبر متواليات حِكائيّة متجدّدة، ومن خلال خلق حبكة وتوتّر يؤجّجان الصراع الداخليّ للشخصيّات، ويضفيان على النصّ أبعاداً مختلفة، جديدة كلّ مرّة.
المؤلف في سطور
محمّد تنفو. باحث وأكاديميّ مغربيّ، لديه إصدارات نقديّة عديدة، منها: عجائب مِئة ليلة وليلة، القصة القصيرة المغربية: المعايير الجمالية والمغامرة النصّية، حماقات السلمون: كتابة العصيان ولواء الجنون. كما أنّ له إصدارات قصصيّة، من بينها: كيف تسلل وحيد القرن؟، درس سيبويه.
الكتاب: ضفائر شهرزاد الوظائف في مئة ليلة وليلة
تأليف: محمّد تنفو
الناشر: دار رؤية - القاهرة 2013
الصفحات: 192 صفحة
القطع: المتوسط

