يكشف كتاب "أطفال الشوارع: الجنس والعدوانية"، للدكتورة رضوى فرغلي، حجم المأساة التي يعيشها أطفال الشوارع في مصر، وما يمارس ضدهم من قسوة مفرطة تحمل عدائية واضحة. وأيضا مدى الاهمال الذي يحيط هذه الفئة من قبل الدولة ومنظمات المجتمع المدني معا، حيث استطاعت المؤلفة أن تقتحم هذا الحقل الملغوم في قراءة ميدانية، استمعت فيها لعشرات الأطفال ودرست ما يحيط بهم وما يداخلهم من أمراض.
تؤكد رضوى فرغلي أنها عانت أشهرا عديدة، للقاء العشرات من أطفال الشوارع في أماكنهم الطبيعية على هامش الحياة، وتحت الجسور وفي الميادين العامة، حيث صاحبتهم وأجرت عليهم الاختبارات النفسية المختلفة. وتشير إلى سعادتها الكبيرة لإنجاز هذا المشروع الذي كلفها الكثير من الوقت والمال، وعرضها لمخاطر مختلفة، نظراً للاحتكاك المباشر بفئة قررت التمرد على المجتمع والعيش خارج أطره المتعارف عليها. خاصة أن من التقتهم لا يخضعون لمؤسسات رعاية، وهاجس العقاب إذا أخطؤوا.
تسرد المؤلفة قصة "ياسمين" (11 سنة)، التي وهبها الله جمالاً واضحا، جعلها مطمعا لأصحاب الضمائر الميتة.
كما تذكر حكاية "محمد" (9 سنوات)، الذي لم يمر على هروبه من المنزل أكثر من عام واحد، لكنه لم يفلت من زملائه المستغلين الأكبر سنًّا. وتبحث المؤلفة عن قصص كثيرة، من هذا القبيل، مفزعة ومهولة، من بينها قصة "عادل". فتروي: " غاب فترة طويلة، وباءت كل محاولات البحث عنه بالفشل، إلى أن نبهنا أحد زملائه أنه ربما يكون محجوزا في (الثلاجة)، حيث كانت لهذا الزميل تجربة سابقة.
وبرغم أنني سبق وسألت عنه في قسم الشرطة ونفوا وجوده، إلاَّ أنني كررت المحاولة، وفي هذه المرة قابلت ضابط شرطة تعاطف معي ومع ما رويته له عن حالة الطفل، وقلت له، إنه ربما يكون محجوزا في (الثلاجة)! أرسل معي شرطيا إلى غرفة معزولة بعيدا، مظلمة، ضيقة، وخالية من كل شيء إلاَّ مجموعة من الأطفال المقيدين ببعضهم بعضا، على شكل دائرة. أصبت بذهول حين رأيتهم، بالكاد تعرفت على عادل وأخذته معي...".
وتضيف رضوى في خلاصات قراءاتها عمق تلك المآسي: "هؤلاء وغيرهم من أطفال الشوارع علموني أشياء كثيرة، وتركوا في داخلي رغبة قوية في استكشاف واقعهم، ومساندتهم قدر استطاعتي.. بينهم رأيت مجتمعا آخر صنعوه على أنقاض إنسانيتهم..
مجتمعا متماسكا، وإن كان مشوّها، من الصعب اختراقه أو التمرد عليه.. واخترعوا لأنفسهم عالما معتما يتلقف العضو الجديد بطقس (التعميد)، ليصبح الجنس أولى خطوات الاندماج فيه، وبالتالي يكون العدوان على الذات والمجتمع، أول رد فعل للامتهان المقبول ظاهريا والمرفوض لاشعوريا، حيلة لحماية الذات من الانهيار...".
ولفتت إلى أنه ليس من السهل على أطفال ومراهقين، أن يتخذوا من الشارع بيتاً ووطناً، وخلال أشهر البحث الميداني صادفت العديد من النماذج التي أثرت فيها، منها: «ياسمين» (11 سنة)، محمد (9 سنوات).
وفي العموم، لا يدين هذا الكتاب، هؤلاء الأطفال، لأنهم غالباً ضحايا أسر ومجتمع، وإنما يسعى لتعميق إدراكنا بهذه الظاهرة، أملاً في تخفيض أعداد اللاجئين إلى الشارع، ووضع البرامج الإرشادية التي تعين أطفال الشوارع على التعامل مع الضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهونها، وهم يعيشون بعيدا عن أسرهم، تحت وطأة ظروف قاسية، كما يمكن الإفادة من نتائج دراساته، في تطوير سياسات اجتماعية وتربوية لاحتواء الظاهرة، وخفض معدلاتها، وتوافر مقياس للإساءة بكل أنماطها، هو الأول من نوعه عربيا.
المؤلفة في سطور
الدكتوره رضوى فرغلي. باحثة اجتماعية ومعالجة نفسية مصرية، تعمل في مركز أمراض الوراثة ومستشفى الطب النفسي، من أعمالها :"بغايا القاصرات.. دراسة في ضوء التحليل النفسي".
الكتاب: أطفال الشوارع .. الجنس والعدوانية .. دراسة نفسية
تأليف: الدكتورة رضوى فرغلي
الناشر: الدار المصرية اللبنانية- القاهرة 2012
الصفحات: 150 صفحة
القطع: الكبير
