يوثق كتاب "خالد المز"، لمجموعة باحثين وكتاب، مسيرة حياة وعطاء المبدع الفنان التشكيلي خالد المز، الذي يُصنف ضمن دائرة جيل الرواد في التشكيل السوري المعاصر، إن لناحية العطاءات الفنيّة المتميزة التي قدمها لهذا التشكيل، في مجالي التصوير الزيتي

والنحت، أو لناحية المناصب الرفيعة التي شغلها في مفاصل مؤسسات وتوجهات نهج هذا التشكيل.

غلبت على صفحات الكتاب صور أعمال المز، من اللوحات المسنديّة (الصالونيّة أو الحجريّة) والتماثيل الصغيرة والنصب التذكاريّة. كما احتوى على نصوص باللغتين العربيّة والإنجليزيّة، عرّفت بالفنان وفنه، كتبها الفنان، وعدد من الفنانين، أمثال: عفيف بهنسي، عبد العزيز علون، إلياس زيات، عبد المنان شما، محمود شاهين، غازي الخالدي، أسعد عرابي، ممدوح قشلان، نذير نبعة، نزار صابور.

تشدد غالبية النصوص في الكتاب، على أن الفنان المز، يمثل إحدى الخبرات المتميزة التي اجتهدت ونهضت بحركة التصوير السوري المعاصر. فهو ملوّن من الطراز الأول، تتكامل في لوحته شاعريّة الموضوع والأداة، وهو يُشكّل شخصيّة فنيّة لها مقوماتها الخاصة، وملامحها المتميزة وفرادتها، التي لا يُجاريه فيها أحد.

هذه المزايا التي اجتمعت في تجربة المز جعلتها تتقدم الصفوف الأولى في المحترف السوري، وأن تبدو منطقيّة ومبررة إذا ما علمنا أن صاحبها تلمس الدرب مُبكراً إلى الفن، تدفعه موهبة حقيقية نضجت وتبلورت وتعمقت، عبر الدراسة الأكاديميّة في كل من القاهرة وباريس.

اعتماداً على ما حواه الكتاب، يمكن تصنيف تجربة المز في خمس مراحل، هي: مرحلة ما قبل الدراسة الأكاديميّة الأولى التي نفذ خلالها مجموعة من الأعمال الواقعيّة. ثم مرحلة الدراسة الأكاديميّة الأولى في القاهرة- ما بين عامي1959و1964 -، حيث توجه إلى رسم الأشخاص، والتعرف على البنية التشريحيّة لجسم الإنسان، مع ميل نحو تلخيص الشكل واختزاله. ثم مرحلة ما بعد الدراسة الأكاديميّة الأولى، إذ تعد استمراراً أميناً للمرحلة السابقة، مع بعض التحلل من الواقعيّة الأكاديميّة، وبروز نزوع لديه نحو شاعريّة الشكل والمضمون.

 ثم مرحلة الدراسة في فرنسا ما بين عامي 1970و1974، حيث أمضاها في محترفات المدرسة الوطنيّة العليا للفنون الجميلة في باريس. وعلى الرغم من قلة الأعمال التي أنتجها خلال هذه المرحلة، إلا أننا نستطيع أن نحدد التوجه الذي تملكه خلالها والمتمثل في جمعه بين الهيئة الأنثويّة المحوّرة الحاضنة لروح الفن المصري القديم، والاتجاهات الأوروبيّة الحديثة، خاصة التكعيبيّة.

ثم مرحلة ما بعد فرنسا الممتدة من العام1974 وحتى الوقت الحالي. وهي من أهم وأخصب وأنضج مراحل مسيرة الفنان المز، لكونها تُشكّل اختزالاً عميقاً لكافة المفاصل التي تحركت فيها تجربته الفنيّة، منذ بداياتها الأولى وحتى الوقت الحالي. كما تمثل الخبرات التقانيّة التي جمّعها.

ويلفت الكتاب إلى أنه، في الحقيقة، توصل المز إلى خلق لوحة رهيفة الألوان، شاعريّة الأجواء، ملكها المتوج الجمال الأنثوي الذي أوقف عليه كامل تجربته في مراحلها الأخيرة، ويبدو أن هذا الموضوع، سيبقى الأثير والمحبب لهذا الفنان المتعبد في محرابه، بدليل هذا الزخم الشعوري العالي الذي يُطل من جنبات لوحته.

وهذه الارتعاشات الولهى المسكوبة في تمتمات ألوانه، لاسيما التي تتوزع على تضاريس جسد المرأة التي حوّلها المز إلى مساكب للورد، تبوح بصباباته المتوقدة والمتجددة أبداً، رغم العمر المتقدم، وإلا بماذا نُفسر هذا التوجه الدائم من قبله إلى موضوع الجسد الأنثوي العاري، وهذه الطلاوة والدفء والشاعريّة المحلقة المُطلة من ألوانه وخطوطه.

ويشدد الباحثون المشاركون في مقالات الكتاب، على أنه تعددت واختلفت الصياغات والأساليب في تجربة الفنان خالد المز، لكنها لم تُغادر الضفاف الواسعة للواقعيّة، ولم تُغادر، في الوقت نفسه، جغرافيّة الجسد الأنثوي العاري، التي يعالجها دوماً بالاتقاد الشعوري ذاته، وكذا حدة الزخم الشعوري والعاطفي.

 الكتاب: خالد المز

تأليف: مجموعة من الكتّاب

الناشر: دار طلاس _ دمشق 2013

الصفحات: 312 صفحة

القطع: الكبير