يقرأ كتاب "دمشق ... مكان وسكان وألوان"، لمؤلفته نادية الغزي، في عمق جماليات وسمات معالم دمشق، وطقوسها وعادات اهلها. وتبدأ المؤلفة مع مهام واعمال المرأة الدمشقية، وما قدمته لمجتمعها، موضحة أنه في القرنين الماضيين، كانت مهنة "التوليد" تكاد تكون مقتصرة على النساء، وكان لكل حيّ أو منطقة امرأة مختصة تقوم بها، تدعى "الداية". وأجرتها كانت ليرة ذهبية عثمانية للبنت وليرتين للذكر في الأسر الغنية.
وتشرح المؤلفة عمل "الماشطة" في دمشق، وتدرج تفاصيل متنوعة، حول اعمال المرأة الدمشقية، ومن بينها هنا: مهام المتخصصات في الحمام.وتلفت مؤلفة الكتاب، إلى انه اشتهرت الدمشقيات بحياكة الثياب، وتفننّ في القصات والحبكات. وغير ذلك الكثير..
وكان في دمشق بعض النساء اللواتي اتخذن فنجان القهوة أداة لمعرفة المستقبل. وهناك النساء كن يضربن الودع وينقبن في الرمل، ليجدن حلولاً للناس يقبضن عليها مالاً. وتخصصت بعض السيدات بنوع معين هو إعداد ثياب المولود التي تسمّى "ديارة الأطفال". ومن بين فنون اشتغال الدمشقيات: الصرمة (تطريز ثمين).
تشير مؤلفة الكتاب الى مهنة دمشقية انثوية اخرى، مبينة انه عندما ظهرت أزهار النارنج أخذتها الشامية، وقطرتها في الأنابيق، وبعد تخليص الزهر من مائه المعطر، سكبت الدمشقية ماء الزهر في القوارير وأغلقتها، وماء الزهر غالي الثمن، مهمّ كأهمية النارنج الذي قطعته المرأة من باحة منزلها. وكذا حين نما الورد البلدي هناك في أيار الربيع، قطرت النساء الورد بوساطة الأنابيق.
واستخرجن ماء الورد المهدئ لضربات الشمس ولبشرة الوجه ولجوف الإنسان. كما صنعت الدمشقية "مرهم اليقطين" ومزجته بالشمعة العسلية وطبخته على النار، لنعومة الجلد وإزالة تشققات الكعبين والكوعين، وصنعن مرهم الخيار، وبعنه في سوق العطارين. وكذا صنعت الدمشقية كافة المراهم وسوقتها وارتزقت من بيعها. واستخرجت الدهون.. فكان "دهن الحلوى" و"دهن الآس" و"دهن البنفسج"، وغير ذلك.
وتسلط مؤلفة الكتاب، الضوء على مهنة اخرى، في صيغة وصفية أدبية شائقة: "عند شروق الشمس، يبدأ اللون يغزو المدينة، فيستهل مشواره باهتاً رفيعاً يدفع الظلام عن دمشق، فيستقبل الباب الشرقي أول خيط برتقالي من السماء، وتكون " مئذنة عيسى " هي أول ما يتلقى الضوء القادم من الشرق في الجامع الأموي الكبير، وينتشر النور المحيّر مقبلاً أعتاب "مئذنة العروس"، ويلتصق الضوء المصفر بقسمها الشرقي، ثم يحيط بها. ويشتد الضوء الصباحي وتتلاشى الأشعة الرمادية ليقبل الضوء الواضح على مئذنة " قايتباي "، فتعلن ابتداء النهار الملون في لبّ دمشق .. داخل السور".
وتضيف: "انتصف النهار وأصبحت الشمس عمودية، هبط الحرّ الصيفي بمظلات وهمية ملونة بالأحمر، وعندما تنحدر الشمس بألوانها نحو أوان العصر، يتغير الظل وتتغيّر الألوان، كل لون جميل .. ها هي الشمس تدخل برجها الغربي موشكة على الغروب .. الأسواق يتكاثر روّادها .. تضاء الأنوار، تشع ألوان الحياة، تتلألأ ألوان الخضر والفواكه المكومة في بلد الخيرات.
وتبدو ألوانها أكثر إشعاعاً وإغراء .. تنام أو تسهر دمشق على ضوء القمر، سواء أكان هلالاً زورقاً أم بدراً محاقاً، وتبقى المشيدات التاريخية مضاءة في الليل ليظهر جمالها بالنور، قصر العظم، حدائق البيوت الواسعة القديمة، حمامات المماليك، قباب الزنكيين، تكية السلطان سليم، المنشآت العثمانية .. الخانات .. متحف دمشق .. أزقة بالآلاف تتحرك مخلوقاتها ليلاً مخفية أسرار دمشق".
المؤلفة في سطور
نادية الغزي. كاتبة وباحثة سورية. ولدت في دمشق عام 1935. تخرجت في جامعة دمشق - كلية الحقوق عام 1956. وعملت في المحاماة، وفي التلفزيون. لديها مؤلفات عديدة، منها: العبور إلى الشرّ، اضطهاد المرأة عبر العصور، ملفات وقضايا، قضايا خاصة جداً، هذيان هرّ مصاب بالاكتئاب.
الكتاب: دمشق ... مكان وسكان وألوان
تأليف: نادية الغزي
الناشر: اتحاد الكتاب العرب دمشق 2013
الصفحات: 188 صفحة
القطع: الصغير

