يبحث كتاب "نجيب محفوظ.. ما وراء الواقعية"، لمؤلفه الدكتور رياض عصمت، في عمق مضمون منتج وشخصية نجيب محفوظ، إذ يبين أنه أعظم شخصية أدبية عربية، في الوقت الحالي. ومرد ذلك حسب رأي المؤلف، أن نتاجه الأدبي متنوع في طبيعته وأشكاله، فبعد روايته "أولاد حارتنا" بدأت رواياته تتخذ طابعاً أكثر عمقاً نفسانياً وبعداً رمزياً.
وعبَّرت أعماله في تلك الفترة، رغم معالجتها موضوعات الحب ظاهرياً، عن التغير الاجتماعي الجديد، مصحوباً ببعض إحباطات الأيام الخالية، نتيجة انحطاط قيم أيام زمان. ففي "الطريق"و "اللص والكلاب"، نجد بحثاً عن الهوية: في الأولى منهما عن شخص الأب، وفي الثانية عن كرامة ذاتية أهدرت بسبب استغلال الآخرين لبطلها. ويوضح عصمت أنه ظهرت في تلك المرحلة أيضاً روايته "السراب" لتعبِّر عن شغفه الاستثنائي بعلم النفس.
وكان محفوظ بذلك يكتب شاهدة قبر للموتى الأحياء في أروقة اللامعقول. ويرثي وجودهم فاقد المعنى.. إنهم اناس بلا مستقبل ولا أحلام. وبكل تأكيد، أناس دون إسهامات وإنجازات في شبكة عنكبوت عملاقة، أوقعوا أنفسهم مثل الذباب والهوام. فرحلتهم خاطفة بين الرحم واللحد.
ويشير المؤلف إلى أن تلك العناصر والسمات تتجلى لدى محفوظ، في روايته "خان الخليلي"، حيث كان محفوظ في أفضل حالاته وهو يتصدى بالتصوير التحليلي لشخصيات قليلة. وليس لمرحلة اجتماعية من خلال أجيال من الشخصيات.
ونجده في روايته "القاهرة الجديدة"، كما يقول الناقد عصمت، يركز على استقراء تفاعلات رمزية بين شخصيات تمثل أفكاراً واتجاهات اجتماعيه، في ما نجيب محفوظ يقف منها موقف المفكِّر الموضوعي، الذي يناصر عمومية اتخاذ موقف في الوجود، من دون كبير تحديد لمنحى ذلك الموقف.
إذ إنه يدين قطعياً التنصل السلبي واللامبالاة. إنَّه كاتب يسعى إلى تجنب قسر آرائه علينا، ولا يبدو أن له مشروعاً سياسياً واضحاً، خاصة وأن مصر في نظره آنذاك، كانت تنبئ عن حاجة إلى تغيير. لكنه لم يكن واثقاً من اتجاه ذلك التغيير.
أما عن قصص نجيب محفوظ القصيرة، فيلفت رياض عصمت، الى أنها قصص تتميَّز عن قصص غيره من الكتَّاب العرب، بعمق الخلفية الفكرية. فـ"خمارة القط الأسود"، وهي مجموعة قصص قصيرة صدرت عام 1968 وتضم 19 قصة، تتميَّز بجدة مضامينها وأشكالها.
فهي ليست (واقعية) المنطلق الرئيسي، بل إنَّها ستارة شفافة تغلف المضمون الميتافيزيقي في عديد من القصص، ضامَّة إيِّاه في حضنها بتشكيل متلاحم رائع. وهنا، لا تأخذ الميتافيزيقا طابعها التقليدي، لأنَّها هنا "أسطورة الواقع" أو " واقع الأسطورة".
أما في مجموعة قصصه ومسرحياته "تحت المظلة"، فهناك، طبقاً لتحليل المؤلف، خطوة للتعبير عن إحساس حاد بالنكسة.. إحساس يرتفع إلى مستوى الفلسفة الإنسانية ويختلط بالعنف والجنس والموت والرعب والهزيمة. إنَّ محفوظ يفسر ضمنياً وفنياً الصورة التي أدت إلى النكسة.
ثمَّ يذهب الناقد عصمت إلى مسرح نجيب محفوظ، فيرى أنَّه يمتلك خصائص قصصه القصيرة.. إنَّه مسرح يتجاوز الواقعية. ويفتقد رسم الشخصيات المنطقي وفي الوقت نفسه، الملحمية. ربما كان فنياً أقرب إلى مسرح اللامعقول.
لكنَّه ليس مسرحاً عبثياً، بل إنه مسرح ملتزم.. فمسرح نجيب محفوظ ليس كل المسرح، إنما مجرد نمط مسرحي قائم: نمط يتسم بالجدة والمغامرة والتجريب. مسرح يقوم عادة في أركان الشوارع وفي الساحات العامة والأقبية والأندية الصغيرة في بلدان أوروبا وأميركا. م
سرح محفوظ مسرح يقوم على الكلمة أكثر مما يقوم على اتساع حجم الإمكانات المسرحية. فهو بهذا انطلاقة من أرض بكر بالنسبة للمسرح العربي. إذ حتى مطلع السبعينيات من القرن الماضي عندما بدأ مسرح المئة كرسي عمله- كان هذا النوع ظاهرة مفتقدة. فالشخصيات في هذا المسرح لا تملك خصائص ذاتية، لكنها في الوقت ذاته ليست تجريدية تماماً. إنها بين بين: فالمرأة نمط من النساء والرجل نمط من الرجال. ولكنهما ليس كل النساء وليس كل الرجال.
ويشدد المؤلف على أنه يكاد نجيب محفوظ ينفرد من بين جميع الكتاب العرب، في أنه في مرحلته الأخيرة، مرحلة "ما بعد الواقعية"، بدأ يخوض في كل رواية أو مجموعة قصصية، تجربة جديدة متكاملة. نجيب محفوظ كاتب لم تصبه أعراض الكهولة الأدبية. فهو بقي شاباً ورائداً للتجريب، والتطور في ميدان القصة والرواية.
المؤلف في سطور
الدكتور رياض عصمت، كاتب وناقد قصصي ومسرحي. صدر له الكثير من الأعمال. وكان قد تولى مهام وزارة الثقافة في سوريا.
الكتاب: نجيب محفوظ.. ما وراء الواقعية / دراسة
تأليف: الدكتور رياض عصمت
الناشر: وزارة الثقافة - دمشق 2012
الصفحات: 128 صفحة
القطع: الكبير

