يحاول كتاب «هنا حلب.. سيرة المكان»، لمؤلفه أحمد هلال، رسم صورة بانورامية للمدينة. فيقدم لنا قصصاً وسرديات عن القهوة فيها، وكذا العادات والتقاليد.. وساحة سعد الله الجابري، إضافة إلى مربع المقهى ومربع عمران المدينة، ونحصل ضمنها، على أربع مربعات، هي المدخل الهندسي المعتمد لرسم الذهنية الإنشائية.
فالمربع الأوّل، مقهى الشطرنج، الذي يقع في منتصف خط الارتطام في مركز المدينة، هو نقطة وسط بين قديم المدينة وحديثها.. وعلى الجهات الأربع. وكان هذا المقهى بيتاً لأحد وجهاء المدينة ثم باعه لأحد مستثمري المقاهي، الذي أجرى عليه عملية تجريف وتغطية وتدمير لكل ميزات البناء.
ويؤكد المؤلف أن حلب بوابة آسيا، وبحكم التاريخ تحوّلت البوابة إلى مدينة، تكسب وجودها من حاجة المسافرين العابرين إلى محطة للراحة. وجاء إليها الناس مهاجرين من أمكنة متعدّدة. فتطبّعوا بثقافتها.. أتوها من براري آسيا وأوروبا. وبعضهم جاء من إفريقيا، هرباً من الحروب والإبادات الجماعية والاضطهاد. وهي مدينة تجارية عريقة، ومن أجل صيانة ذاتها صاغت ثوبها الإنشائي،
وينتقل المؤلف إلى الحديث عن القلعة مبيناً أنها تقع في الجهة الشرقية من المدينة، والجامعة في الجهة الغربية، وهكذا تصبح المدينة بوابة الشرق وعتبة الغرب. وهناك بجانب القلعة أيضاً، سوق «جب القبة»، وهو سوق للبدو..
وفي الجامعة، ترتسم المخططات الحديثة للبناء وتوفر للمدينة الخدمات الحديثة والأفكار المستوردة ذات الطابع العلمي. القلعة والجامعة قمتان متقابلتان ومتشابهتان، كلتاهما على صلة بأوروبا، فمن الجامعة تغادر البعثات والمتفوقون إليها. أما القلعة، فهي على العكس، حيث يأتي زوّارها من أوروبا وهم يحملون خرائطهم ويجولون بها دون أن يسألوا أحداً.
ويحكي هلال عن جماليات تاريخ الأحياء التقليدية في حلب، التي أصبحت تجاعيد اجتماعية تغذّي نفسها بثقافة الضغائن. ويشير إلى أنه هناك في الشمال تجمعات بشرية، ونماذج عرقية منكمشة تحنّ إلى ماضٍ ريفي بالنسبة للآباء، وحلم بالهجرة نحو الغرب وانسلاخ اجتماعي بالنسبة للأبناء..
وحلب اليوم، كما يراها المؤلف، تتسع وتزدحم وتنتشر وتمتلئ بالناس والحارات والسيارات. وتتحوّل إلى ركام كبير في موضع صغير، وتسبح الحداثة فوق سكونيتها الإنشائية العميقة. إنها تمتلك الكثير من المبررات التي لا يمكن كسرها من أجل الحفاظ على استقرارها واستمرارها.
إنها مدينة سريعة النمو أفقياً وعسيرة على التطور عمودياً، لا أحد يصف فيها المشكلة بدقة، بل الجميع يقدّم حلولاً جاهزة. إن حلب، وكما ينظرها هلال، لم تتصالح مع ما يجب أن تتصالح معه، بل ظلت تشكل أرخبيلاً اجتماعياً وبنائياً وإثنياً وقبلياً. وطالما شكلت نقطة التقاء من المتعارضات والمتصالبات والمتضادات، في الجهات والأشكال، لا بل ظلت تصدر حالات الاستعراض.
ولم تترك مجالاً لتراكم المعرفة، ولم تنم فيها علاقات الناس التجارية والاقتصادية، وظل نظام الصفقة الواحدة في الأخذ والعطاء هو السائد.. إنها تعيد إنتاج أشياء تشبهها، لا تتجانس بفعل قسري، إنشائية من عمق القديم الروحي إلى قمة الحديث المادي. هكذا هي.. إن هذه محاولة للتعلم والمعرفة، ولكي نستطيع أن نحبّ أكثر، علينا أن نرى بواقعية.
المؤلف في سطور
أحمد هلال. كاتب وباحث سوري. لديه جملة تحقيقات ودراسات تاريخية. أنجز عدداً من الكتب التاريخية والاجتماعية.
الكتاب: هنا حلب.. سيرة المكان
تأليف: أحمد هلال
الناشر: دار النهج حلب، سوريا 2012
الصفحات: 104 صفحات
القطع: الصغير
