تستعرض رواية "أعمدة الغبار"، لمؤلفها محمد رضوان، حيثيات ما مرت بها فئة محددة من المجتمع السوري، خلال الحكمين: الفرنسي والعثماني، للبلاد. ويستهل رضوان روايته بقصة "الأدهم"، ومغامراته منذ اكتشف الأب علاقته مع "خواتم" في خربة القلعة ومقبرة الأمراء، ثم نعرف أنها متزوجة من غيره. إذ تقترن برجل تعلو جسده كتله من اللحم الأحمر "مطعون بذكورته". ويبرر لها الكاتب ذلك بأن خواتم لم تعرفه جيداً، وأن أمها زوجتها به وماتت في اليوم التالي من الزواج، وأنها كانت صغيرة، لا تفهم الأمور، إلى ما هنالك من هذا الكلام.

وفي لقاءات الأدهم مع خواتم، يغوص الكاتب في سرد تفاصيل جمة، ثم يحيلنا إلى أجواء محيطة، إذ كان يتنامى إليهما صوت حوافر العسكر تدق حجارة الطريق، نحو قلعة السويداء، وحينها يعرف الأدهم أنّ الحملة الفرنسية وصلت إلى الجبل.

ويتحول المؤلف إلى فصل جديد في تلك المرحلة، مبيناً كيف انطلقت المقاومة في جبل العرب، ضد الاحتلال الفرنسي، إلى أن وصلت إلى عاصمة الجبل: السويداء، إذ استخدمت فيها المصفحات والطائرات، التي قصفت السويداء ومنازل الثوار، في كل مكان. وجعلت البيوت ركاماً من حجارة وطين.. وهذا القصف والتدمير كانت تقابله سرقات عديدة، يقوم بها الضباط الكبار. إذ أخذوا ينتقون الثمين من السجاد والأثاث الجبلي النادر، إلى جانب القطع الأثرية الصغيرة من البازلت والذهب.

ويتابع رضوان الحديث عن استمرار المقاومة في الجبل، بقيادة "شمس"، إذ انقض الثوار على المخيم كعاصفة ضارية بالسيوف والخناجر والبلطات، فأسكتوا المدافع الرشاشة، وأجهزوا على الحملة كلها، قبل أن يصل رفاقهم الذين تدفقوا إلى ساحة المعركة، فوجدوا كل شيء انتهى. وبدت قلعة السويداء مخضبة وهي تغلق أبوابها على آخر جندي لجأ إليها، إيذاناً بسقوط سلطة الانتداب الفرنسي على الجبل..

إن هذه الأحداث وغيرها، تجري في "كفر العسل"، والسويداء التي تدفقت الأحداث فيها من خاصرة الزمن مستعيدة أيام التخفي والفرار من التجنيد القسري في جيش الأتراك، وأيام الجوع في "السفربرلك".. وخداع الأجنبي للشريف حسين، ومصائب الحروب التي تسوقها فرنسا إلى الجبل، ثم النزاع الخفي داخل الأسرة الحاكمة على مركز الإمارة، ما بين السويداء وكفر العسل، كما يحكي المؤلف. ويضاف إليها الأحداث الاجتماعية: في قصص الحبّ وتقاليد الزواج والموت.

ويرصد المؤلف في روايته تلاحق الأحداث في الجبل، ملخصاً كيف أنها تؤدّي إلى هزائم يمنى بها الجيش الفرنسي، وذلك بينما يتزوج الأدهم من خواتم، بعد أن يموت بعلها. ومن ثم يتطوّع في الجيش الفرنسي. فيقود خلية تريد سلامة الوطن وعدم انفصال الجبل عن سوريا، ولكنه في النهاية، يجد من يقول له: "القيادة استغنت عن خدماتك". فيرد عليه بكلمات متفجرة: "قل لأسيادك إذا سرقتوا الجلاء، فإنكم لن تستطيعوا أن تسرقوا الوطن".

وثمة فصول يخصصها الكاتب لسيرة حياة أسمهان، ويسميها هنا في العمل الروائي "جيهان".. هذه الأميرة التي تسعى إلى وحدة جبل العرب، وتقتل في سبيل ذلك.. إنّه يتابع مغامراتها وزواجها وتنقلها وفنها وما وصلت إليه بالتفاصيل الدقيقة، من خلال مرافقة الأدهم لها، والذي يطلع على حياتها الشخصية، كما يعرف كل شيء عن خفايا الإنجليز والفرنسيين والألمان والسوفييت أيضاً.

ثمة شخصيات كثيرة يديرها الكاتب، في روايته، لكنه يبرع أكثر مع الشخصيتين الرئيسيتين "الأدهم" و"خواتم"، فتقريباً كل الأحداث تنصب عليهما.

 المؤلف في سطور

 محمد رضوان، كاتب وروائي سوري. ولد في محافظة السويداء. درس الفلسفة في جامعة دمشق. عضو اتحاد الكتاب العرب. من إصداراته: السؤال والاستجابة المستحيلة، مملكة الجحيم، محنة الذات بين السلطة والقبيلة، البراري.

 الكتاب: أعمدة الغبار

تأليف: محمد رضوان

الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامّة السورية للكتاب دمشق 2011

الصفحات: 448 صفحة

القطع: الكبير