تتعمد رواية «ورد الليل»، لمؤلفها محمّد شويحنة، التركيز على فضح آليات العنف وما جرّته على البلد من دمار وويلات وخراب. إذ أزهقت حياة الألوف من البشر، بعضهم هرب خارج البلد وبعضهم قضى في السجون، وآخرون، لا يدري أحد أين هم.
وتبدأ الرواية مع حكاية مطيع العبادي، الذي يعتقد أنه من سلالة الإمام الكبير زاهد العصر وشيخ الحضرة، نوّار أبي سالم العبادي. ثم نكتشف أنه موضوع في زنزانة ضيقة بحجم قبر. وفي هذه الزنزانة سيسوّد صفحات تشرح آلامه وما يقاسيه من عذاب. وتنطلق القصة بكتابة المذكرات التي تبين لنا أنها حكاية واحد من الهامشيين.
ونتبين في الرواية، أنه انتهى المطاف بمطيع العبادي وأهله في حي من أحياء حلب الفقيرة في الجهة الشرقية من المدينة. ونقرأ: «حيثما نظرت كنت أرى الأطفال بأرجل حافية وبلا سراويل، جلد مسمّر على عظام نحيلة، حبيبات حمراء تتوزّع في أنحاء مختلفة من الجسم». ونجد أن موضوع هذه النقطة، وغيرها، يشدّه إلى التغيير، خاصة وأنه يبدأ الجلوس في المقهى الذي يرتاده المثقفون والجماعات اليسارية.
ونتعرف هنا إلى أنّ مطيع العبادي كان من القلائل الذين حظوا بشهادة التعليم الإعدادي. وعقب ذلك، دخل إلى دار المعلمين ذات نظام الأربع سنوات، وتخرج فيها معلماً وحيداً يتنقل مع البدو الذين يتجمعون أياماً، ثم ينفرطون كحفنة حصى تلقى بعيداً.
ونرى أن العبادي يفشل في الزواج ويصاب بالعجز، لأنه تزوج من أسرة مدينيّة، وهو ابن ريف، ويهرب من الزوجة إلى الحديقة العامّة، وحين تطلب الطلاق يذهب معها إلى واحد من مدعي المشيخة الذي ينهال على الزوجة بحزامه الجلدي، إذ يريد بهذا إخراج الجني من جسدها. ويكمّل الزوج عليها بأن يضربها هو الآخر، لينتهي الأمر بها إلى الجنون. فيوافق الزوج على طلاقها.
هذه الحكاية ستترك أثراً كبيراً في نفس مطيع. ومما نقرؤه هنا: «كانت نهاية قصة زواجي على هذا النحو قد كسرت شيئاً في داخلي». وطبعاً، يضاف إليها قصة أبيه وهو يقاد إلى السجن بسبب كمية من المخدرات كانت موجودة في الطاسة المقلوبة. وهكذا، فإن كل ذلك قاد مطيع العبادي إلى الهروب من النهار إلى الليل.
وهناك وجد نفسه يلقي كل شيء من مصائبه على قوّة خفية، ربما تساعده على الهرب. ويلتقي مطيع العبادي، عمر، في المقهى، وهذا الأخير يحاول إفهامه أن الحياة لا تموت، وهي أقوى من أن تقهر، وبالنضال وحده ستتخلّص البشرية من الجنون والعجز والهلاك، ويتعرف إلى فتاة تعجبه، لكن في النهاية تكون من نصيب عمر، فتزداد خيبته.
ويشعر بأن هذه الجماعة ليست جماعته فيغرّب بعيداً، إلى الجماعة الدينية، فينخرط فيها، ويصبح من روّادها، ويتوق إلى أن يتسلّم زعامتها، لكن الجماعة تسمّي ابن الشيخ جابر للزعامة. فيشعر بالاختناق ويلوذ بالوحدة التي تنقذه من مشكلات كثيرة.
ويطلعنا المؤلف، على حال العبادي، عقب أن تشتعل الحرب بين أجهزة السلطة وهذه الجماعة. إذ تمتلئ البلاد بأسماء القتلى، والحرائق في مؤسسات الدولة والشعب الحزبية والجمعيات الاستهلاكية. ويصف تلك الأوضاع: «احتشد باب المقهى بالخارجين.. عادت قذائف من رشاش تتناوب مع طلقات الرصاص، سيارات عسكرية تنطلق بجنون.. غدت البلاد على كف عفريت. بدأ الإرهاب من كافة الأطراف ولن يتوقف». وهنا فإن مطيع العبادي يعتقل للتحقيق معه، أكثر من مرّة. وكذا تصبح المساجد أماكن للتدريب.
وينتهي الأمر بمطيع العبادي، إلى الخروج من ظلام العباءة، إلى الأقدام التي تتقاذفه وتدفعه وتسحله في الممرات المعتمة، وإلى الأقبية السفلية. ومن ثم رؤيته باباً حديدياً ينفتح، ويداً تقذف بأشلائه إلى الداخل المعتم.
والبين في رواية «ورد الليل»، أن محمّد شويحنة يكثر من الشخصيات، لكن الصورة الأبرز تبقى لشخصية العبادي.
المؤلف في سطور
محمّد شويحنة. كاتب وروائي سوري. ولد في حلب عام 1955. حاصل على البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، والدبلوم في الدراسات الأدبية عام 1980، والماجستير في الأدب العربي الحديث عام 1984. درّس في ثانويات حلب منذ عام 1980. وفي جامعة زايد/دبي، ما بين 1999 2002. من مؤلفاته: طوق الأحلام - رواية، القصة القصيرة في أعمال رابطة الكتاب السوريين.
الكتاب: ورد الليل »رواية»
المؤلف: محمّد شويحنة
الناشر: دار نون 4 للنشر والطباعة والتوزيع حلب 2012
الصفحات: 254 صفحة
القطع: الصغير
