يرسم كتاب «البطل التراجيدي»، لمؤلفه رياض عصمت، صورة للبطل التراجيدي الذي يبخل به الواقع. والذي في العادة يصنع بطولات خارقة، باعتباره بطلاً وجودياً. وأيضاً بطلاً ثورياً تقدمياً يكافح، ليس من أجل ذاته الخاصة فحسب، بل لتغيير شروط حياة اجتماعية جائرة، كونه يتميز بحسٍّ مرهفٍ نبيل أكثر من إدراكٍ فكري صحيح. لأنَّ وعيه يتجه إلى الداخل أكثر منه إلى الخارج. وكذلك لأنَّ البطل التراجيدي في المسرح يرفض المساومات والحلول الوسط، سعياً نحو المطلق، ولو على حساب حياته.
ويرى المؤلف أن المسرح المعاصر لم يعد يؤمن بالتراجيديا النقية. وهذا ما دفع كُتَّابه إلى استعادة وتطوير مفهوم شكسبير عنها. وهو اختلاط المضحك والعبثي كما في «الملك لير»، على سبيل المثال.
ومن هذه ولدت تسمية (الكوميديا السوداء أو الملهاة الدامعة). وهو النمط الذي ميَّز معظم أعمال مسرح العبث، إذ أصبح المهرِّج المسحوق تحت وطأة وجوده بفعل قوى ميتافيزيقية أو اجتماعية، هو البطل الذي يبث فينا الإحساس بالمأساة. ولم نعد نشعر بأنَّ أبطال التراجيديا هم أشباه آلهة، وعلى أنهم أعلى منَّا مستوى. بل أصبحنا نشعر بهم مثلنا أو دوننا. فنزداد توحداً معهم.
ومن الأبطال التراجيديين الذين لا يستوي المسرح إلا بهم يأخذ عصمت «أوديب». هذا البطل التراجيدي الذي هو الإنسان الذي تحدى الكون بعقله، واعتبر نفسه من صنف الآلهة، فسقط بسقوطه. كما يأخذ مسرحية «إلكترا» لسوفكليس 466-406 ق.م. وهي موضوع عالجه كثير من المسرحيين، القدماء والمعاصرين.
إذ كُتبت «إلكترا» أكثر من 12 مرة. فكانت المأساة الأخلاقية المفزعة في وضع الابن الذي يذبح أمَّه عند هوميروس وباندار ويوربيدس. كما كانت تعني إلحاد سارتر من جهة، وتحديه النازية من جهة أخرى، في مسرحية «الذباب».
وكانت التحليل النفسي في مسرحية يوجين أونيل «الحداد يليق بإلكترا». على أنَّ إلكترا شخصية عجيبة ممزَّقة، بين حب عجيبٍ لأبيها «أغاممنون» الذي اغتالته يد الغدر المشتركة بين الأم كليتمنسترا وعشيقها إيجست. وبين تعلق يبلغ حدود الوله، بأخيها أوريست. وكذلك بين حقد هائل يطفح من ملامحها وآهاتها الملتهبة، نحو أمها وعشيقها المجرمين.
وهناك بطل تراجيدي آخر «فاوست»، وفي الأصل قصة ألمانية عن شخص حقيقي عاش في القرن السادس عشر، يُعتقد أنَّه باع نفسه للشيطان. وظهرت سيرته في طبعات عدة. ويبدو أنَّ مؤلفه كان من الإصلاحيين. وظهرت ترجمة الكتاب بالإنجليزية تحت عنوان «تاريخ الحياة الملعونة والموت المستحق للدكتور جون فاوستوس».
وهو ما اقتبس عنه الشاعر الإنجليزي كريستوفر مارلو، مسرحية «فاوست».. إنَّه البطل الذي يسقط نتيجة مغالاته في الطموح. وهذا هو الدرس الذي أراد مارلو إعطاءه لمتفرجي عصره. وفي هذه المسرحية كما يقول عصمت، نلاحظ التطور الواضح للمسرح الإليزابيثي، حيث لم يعد القدر الميتافيزيقي هو المسؤول كما عند الإغريق- بل الإنسان. والمأساة ليست نابعة من صراع بين المحتوم والحرية بل بين نوازع الإنسان الخيِّرة والشريرة.
ومن الشخصيات التراجيدية المثيرة شخصية، أيضاً، «ماكبث» التي تمثل أعمق وأنضج رؤية للشر، عند شكسبير كما يرى الناقد ويلسون نايت. وكذا «فيدرا» التي كتبها جان راسين عام 1677م. إذ يثير فيها قضية الحب غير الشرعي، الذي تكنُّه زوجة أبٍ لابن زوجها. إذ إنَّ فيدرا لا تبوح بحبها لهيبوليت، بل تحوِّل هذا الحب المكبوت إلى سلوك يعكس الكراهية ويؤدي إلى نفي الابن عن قصر أبيه وموته، ثم موت الزوجة.
ومن الشخصيات التراجيدية في المسرح الحديث والمعاصر، يذكر المؤلف، تلك الشخصيات التي تضخ الحياة في مسرحيات هنريك إبسن 1828-1906، الذي يعد أباً للمسرح الحديث. ونقطة تحول أساسية في تاريخه تبدت في مسرحياته: «أعمدة المجتمع، بيت الدمية، الأشباح، عدوُّ الشعب، البطَّة البريَّة». وهناك أيضاً، شخصيات مسرح لويجي بيرانديلو. وكذا شخصيات مسرح فريدريكو غارثيا لوركا، خاصة «بيت برناردا آلبا».
ثمَّ يعرض رياض عصمت، للكاتب الأميركي آرثر ميللر، وبطل مسرحيته «موت بائع جوال». ولشخصية غودو لصموئيل بيكيت، بطل مسرحيته «في انتظار غودو». ولشخصيات المسرحي الألماني برتولد بريخت.
المؤلف في سطور
ولد الدكتور رياض عصمت، القاص والناقد والمخرج المسرحي السوري، عام 1947، في دمشق. حائز شهادات علمية عدة، من بينها: بكالوريوس في الأدب الإنجليزي عام 1968، شهادات دكتوراه في الفنون المسرحية - الولايات المتحدة، ماجستير في الإخراج المسرحي - بريطانيا.
شغل خلال مسيرته الابداعية عدداً من المناصب، منها: عميد المعهد العالي للفنون المسرحية، مدير عام الإذاعة والتلفزيون، وزير للثقافة. ألّف رياض عصمت 33 كتاباً، بين مسرحيات وقصص ونقد. من أشهر مسرحياته: «لعبة الحب والثورة».
الكتاب: البطل التراجيدي/ دراسة
المؤلف: الدكتور رياض عصمت
الناشر: وزارة الثقافة - دمشق 2012
الصفحات: 191صفحة
القطع: الكبير

